قوله تعالى: «عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين» الجملة الأولى دعاء للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو نظير الدعاء على الإنسان بالقتل في قوله: «قتل الإنسان ما أكفره:» عبس: - 17، و قوله: «فقتل كيف قدر»: المدثر: - 19 و قوله: «قاتلهم الله أنى يؤفكون:» التوبة: - 30.
و الجملة متعلقة بقوله: «لم أذنت لهم» أي في التخلف و القعود، و لما كان الاستفهام للإنكار أو التوبيخ كان معناه: كان ينبغي أن لا تأذن لهم في التخلف و القعود، و يستقيم به تعلق الغاية التي يشتمل عليها قوله: «حتى يتبين لك الذين صدقوا» الآية.
بقوله: «لم أذنت لهم» فالتعلق إنما هو بالمستفهم عنه دون الاستفهام و إلا أفاد خلاف المقصود، و الكلام مسوق لبيان ظهور كذبهم و أن أدنى الامتحان كالكف عن إذنهم في القعود يكشف عن فصاحتهم.
و معنى الآية: عفا الله عنك لم أذنت لهم في التخلف و القعود؟ و لو شئت لم تأذن لهم - و كانوا أحق به - حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين فيتميز عندك كذبهم و نفاقهم .
وقوله تعالى: «و عصى آدم ربه فغوى» الغي خلاف الرشد الذي هو بمعنى إصابة الواقع و هو غير الضلال الذي هو الخروج من الطريق، و الهدى يقابلهما و يكون بمعنى الإرشاد إذا قابل الغي كما في الآية التالية و بمعنى إراءة الطريق، أو الإيصال إلى المطلوب بتركيب الطريق إذا قابل الضلال فليس من المرضي تفسير الغي في الآية بمعنى الضلال.
و معصية آدم - ربه كما أشرنا إليه آنفا و قد تقدم تفصيله - إنما هي معصية أمر إرشادي لا مولوي و الأنبياء (عليهم السلام) معصومون من المعصية و المخالفة في أمر يرجع إلى الدين الذي يوحى إليهم من جهة تلقيه فلا يخطئون، و من جهة حفظه فلا ينسون و لا يحرفون، و من جهة إلقائه إلى الناس و تبليغه لهم قولا فلا يقولون إلا الحق الذي أوحي إليهم و فعلا فلا يخالف فعلهم قولهم و لا يقترفون معصية صغيرة و لا كبيرة لأن في الفعل تبليغا كالقول، و أما المعصية بمعنى مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلا إحراز المأمور خيرا أو منفعة من خيرات حياته و منافعها بانتخاب الطريق الأصلح كما يأمر و ينهى المشير الناصح نصحا فإطاعته و معصيته خارجتان من مجرى أدلة العصمة و هو ظاهر.
و ليكن هذا معنى قول القائل إن الأنبياء (عليهم السلام) على عصمتهم يجوز لهم ترك الأولى و منه أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة و الآية من معارك الآراء و قد اختلفت فيها التفاسير على حسب اختلاف مذاهبهم في عصمة الأنبياء و كل يجر النار إلى قرصته.
قوله تعالى: «ثم اجتباه ربه فتاب عليه و هدى» الاجتباء - كما تقدم مرارا - بمعنى الجمع على طريق الاصطفاء ففيه جمعه تعالى عبده لنفسه لا يشاركه فيه أحد و جعله من المخلصين بفتح اللام، و على هذا المعنى يتفرع عليه قوله: «فتاب عليه و هدى»، كأنه كان ذا أجزاء متفرقة متشتتة فجمعها من هنا و هناك إلى مكان واحد ثم تاب عليه و رجع إليه و هداه و سلك به إلى نفسه.
يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضات ازواجك والله غفور رحيم
تبدأ السورة بالإشارة إلى ما جرى بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و بين بعض أزواجه من قصة التحريم فيعاتب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتحريمه ما أحل الله له ابتغاء لمرضاة بعض أزواجه و مرجعه إلى عتاب تلك البعض و الانتصار له (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدل عليه سياق الآيات.
ثم تخاطب المؤمنين أن يقوا أنفسهم من عذاب الله النار التي وقودها الناس و الحجارة و ليسوا يجزون إلا بأعمالهم و لا مخلص منها إلا للنبي و الذين آمنوا معه ثم تخاطب النبي بجهاد الكفار و المنافقين.
و تختتم السورة بضربه تعالى مثلا من النساء للكفار و مثلا منهن للمؤمنين.
و ظهور السياق في كون السورة مدنية لا ريب فيه.
قوله تعالى: «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك و الله غفور رحيم» خطاب مشوب بعتاب لتحريمه (صلى الله عليه وآله وسلم) لنفسه بعض ما أحل الله له، و لم يصرح تعالى به و لم يبين أنه ما هو؟ و ما ذا كان؟ غير أن قوله: «تبتغي مرضاة أزواجك» يومىء أنه كان عملا من الأعمال المحللة التي يقترفها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ترتضيه أزواجه فضيقن عليه و آذينه حتى أرضاهن بالحلف على أن يتركه و لا يأتي به بعد.
فقوله: «يا أيها النبي» علق الخطاب و النداء بوصف النبي دون الرسول لاختصاصه به في نفسه دون غيره حتى يلائم وصف الرسالة.
و قوله: «لم تحرم ما أحل الله لك» المراد بالتحريم التسبب إلى الحرمة بالحلف على ما تدل عليه الآية التالية فإن ظاهر قوله: «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم» إلخ، إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حلف على ذلك و من شأن اليمين أن يوجب عروض الوجوب إن كان الحلف على الفعل و الحرمة إن كان الحلف على الترك، و إذ كان (صلى الله عليه وآله وسلم) حلف على ترك ما أحل الله له فقد حرم ما أحل الله له بالحلف.
و ليس المراد بالتحريم تشريعه (صلى الله عليه وآله وسلم) على نفسه الحرمة فيما شرع الله له فيه الحلية فليس له ذلك.
و قوله: «تبتغي مرضاة أزواجك» أي تطلب بالتحريم رضاهن بدل من تحرم إلخ، أو حال من فاعله، و الجملة قرينة على أن العتاب بالحقيقة متوجه إليهن، و يؤيده قوله خطابا لهما: «إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» إلخ، مع قوله فيه: «و الله غفور رحيم».
قوله تعالى: «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم و الله مولاكم و هو العليم الحكيم» قال الراغب: كل موضع ورد فرض الله عليه ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه، و ما ورد من فرض الله له فهو في أن لا يحظره على نفسه نحو «ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له» و قوله: «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم».
و التحلة أصلها تحللة على وزن تذكرة و تكرمة مصدر كالتحليل، قال الراغب: و قوله عز و جل: «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم» أي بين ما تحل به عقدة أيمانكم من الكفارة.
فالمعنى: قد قدر الله لكم - كأنه قدره نصيبا لهم حيث لم يمنعهم عن حل عقدة اليمين - تحليل أيمانكم بالكفارة و الله وليكم الذي يتولى تدبير أموركم بالتشريع و الهداية و هو العليم الحكيم.
و في الآية دلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حلف على الترك، و أمر له بتحلة يمينه.
انا منتظرك اختي الكريمة حفظك الله ورعاك..............
آخر تعديل بواسطة مهدي الامم ، 2010-07-31 الساعة 06:18 AM
سبب آخر: اضافة
|