عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 2010-09-17, 01:05 PM
اكرم1969 اكرم1969 غير متواجد حالياً
محاور
 
تاريخ التسجيل: 2009-05-02
المشاركات: 833
افتراضي


. ولم يقف عمل عقبة على الجهاد بل رافق ذلك بناء المساجد مثل مسجد درعة ومسجد

ماسة بالسوس الأقصى، كما كان يترك نفراً من أصحابه يعلمون الناس القرآن وشرائع

الإسلام، ومن هؤلاء شاكر الذي بنى رباطاً ما بين بلدتي مراكش وموجادور ولا زال

موقعه باقياً إلى اليوم وهو المعروف عند العامة بالمغرب الأقصى بسيدي شاكر،

ويظهر أن أغلبية بربر المغرب الأقصى أسلموا على يده طوعاً مثل صنهاجة وهسكورة

وجزولة، كما أخضع المصامدة، وحملهم على طاعة الإسلام، وكي يأمن القبائل الكثيرة

من الانتقاض عليه، كان عقبة يأخذ منها رهائن ويولي عليها رجلاً منها مثلما فعل مع

مصمودة فقد ترك عليها أبا مدرك زرعة بن أبي مدرك، أحد رؤسائها، الذي شارك في

فتح الأندلس فيما بعد، ويلاحظ أن الوثنية كانت غالبة على بربر المغرب الأقصى مما

يفسر كثرة السبايا والغنائم، وأصاب ((عقبة)) نساء لم يرى الناس مثلهن فقيل أن

الجارية كانت تساوي بالمشرق ألف مثقال وأكثر، وكان السبي أحد عوامل انتشار

الإسلام بين البربر بحكم اختلاطهم بالبيئة العربية الإسلامية ثم إن الاحتكاك والاختلاط

المستمرين بين المقاتلة العرب، والبربر أوجد صلات وروابط تجلت في الحلف والولاء

في هذا الوقت المبكر. يذكر السلاوي أن عقبة حين وصل إلى جبل درن: نهضت زناته

وكانت خالصة للمسلمين منذ إسلام مغراوة وهذا يشعر بأن بعض زناته ومغراوة كانتا

قد أسلمتا منذ زمن وكانتا حليفتان للمسلمين فنهضتا للدفاع عن المسلمين .


استشهاد عقبة بن نافع وأبو المهاجر رحمهما الله تعالى


يبدو أن عقبة المجاهد المخلص، كان يحس إحساس المؤمن الصادق، أنه سيلقى ربه

شهيداً في هذه الجولة، فعندما عزم على المسير من القيروان في بداية الغزو دعا

أولاده وقال لهم: إني قد بعت نفسي من الله عز وجل ... إلى أن قال ولست أدري

أتروني بعد يومي هذا أم لا، لأن أملي الموت في سبيل الله، وأوصاهم بما أحب، ثم قال:

عليكم سلام الله .. اللهم تقبل نفسي في رضاك. نعى عقبة نفسه إلى أولاده، فتقبل الله

منه وحقق له أمله في الشهادة، فقد أعد له الروم والبربر كميناً عند تهوذة، وأوقعوا به

وقضوا عليه هو ومن معه من جنوده، وترجع المصادر أمر الكارثة التي تعرض لها

عقبة عند تهوذة إلى سبب رئيسي وهو سياسته نحو البربر بصفة عامة، وزعيمهم

كسيلة بصفة خاصة ذلك الزعيم صاحب النفوذ والمكانة في قومه، والذي كان أبو

المهاجر قد تألفه وأحسن إليه، فأسلم وتبعه كثير من قومه، لكن عقبة أساء إلى هذا

الرجل إساءة بالغة، فأدرك أبو المهاجر عاقبة الخطأ الذي وقع فيه عقبة ولم يكتم

نصيحته عنه ـ رغم أنه كان في حكم المعتقل ـ ولكن عقبة لم يسمع منه، وكان أبو

المهاجر من معاشرته للبربر وزعيمهم، قد عرف مدى اعتزازهم بكرامتهم وأدرك أنهم

لن يقبلوا هذه الإهانة، وهذا الإذلال الذي لحق بزعيمهم من عقبة فخاف غدرهم، فأشار

على عقبة بالتخلص من كسيلة وقال له: عاجله قبل أن يستفحل أمره(3)، ولكن عقبة

لم يصغ إلى هذه النصيحة أيضاً وليته احتاط للأمر، بل أقدم على عمل آخر في غاية

الخطورة، حيث جعل معظم جيشه يسير أمامه بعد أن رجع من رحلته الطويلة من

المغرب الأقصى قاصداً القيروان، ولما صار قريباً من القيروان أرسل غالب جيشه على

أفواج إلى القيروان وبقي هو على رأس الفوج الأخير، ومعه ما

يقرب من ثلاثمائة من الفرسان من الصحابة والتابعين، وكان من عادة عقبة أنه يكون

في مقدمة الجيش عند الغزو ويكون في الساقة عند قفول الجيش، فهو بذلك يعرض

نفسه لخطر مواجهة العدو دائماً وإن هذه التضحية الكبيرة جعلته محبوباً لدى أفراد

جيشه بحيث لا يعصون له أمراً ويتسابقون على التضحية اقتداء به، وهذه الصفة

تعتبر من أهم عوامل نجاح القائد في أي عمل يتوجه إليه ولما علم الروم بانفراد عقبة

بهذا العدد القليل من جيشه انتهزوا هذه الفرصة لمحاولة القضاء عليه، وهم يدركون

أن وجوده القوي يعتبر أهم العوامل في تماسك المسلمين وبقاء قوتهم، فتآمروا عليه

مع كسيلة البربري، فجمعوا لعقبة وأصحابه جمعاً لا قِبَلَ لهم به وإذا بكسيلة يحيط

بجيش عقبة في جمع عدته خمسون ألفاً. وكان أبو المهاجر موثقاً في الحديد مع عقبة،

فلمّا رأى الجموع تمثل بقول أبي محن الثقفي:


كفى حزناً أن تمرغ الخيل بالقنا


وأُترك مشدوداً عليّ وثاقيا


إذ قمتُ عنّاني الحديد وأُغلت


مصارع من دوني تصمّ المناديا



فلما سمع عقبة ذلك أطلقه، فقال له: الحق بالمسلمين وقم بأمرهم وأنا اغتنم الشهادة،

فلم يفعل وقال: وأنا أيضاً أريد الشهادة، وهكذا كان أبو المهاجر نموذجاً من تلك

النماذج الفريدة من الرجال، الذين هانت عليهم الحياة الدنيا واستولى على قلوبهم حب

الآخرة وكسب رضوان الله تعالى، ومن هذا المنطلق أقدم عقبة ومعه عدد قليل على

معركة غير متكافئة، وكان بإمكان بعضهم الفرار ولكنهم ثبتوا ثبات الأبطال حتى

استشهدوا جميعاً في بلاد ((تهوذة)) من أرض الزاب ويَذكر المؤرخون أن قبور هؤلاء

الشهداء معروفة في ذلك المكان وأن المسلمين يزورونها. وهكذا تحقق أمل عقبة في

أبو المهاجر ونالا الشهادة في سبيل الله بعد ما قاموا بالواجب الذي عليهم، واستقبلوا

الشهادة في سبيل الله بنفس راضية مطمئنة إلى حسن ثواب ربها، وقد استطاع عقبة

أن يشق بجهاده للإسلام طريقه في هذا الجزء من العالم الذي سار فيه خلفاؤه من

بعده، زهير بن قيس البلوي، وحسان بن النعمان الغساني، وموسى بن نصير، فقد

حقق أهدافه من التمهيد لنشر الإسلام والجهاد في سبيل الله، ولقد كان استشهاد عقبة

بن نافع ومن معه في عام ثلاثة وستين للهجرة وعمره آنذاك في حدود أربع وستين

سنة، وبهذا ندرك مبلغ القوة التي كان يتمتع بها أسلافنا حيث قام بتلك الرحلة الشاقة

وخاض المعارك الهائلة وقد جاوز الستين من عمره وهكذا استشهد هذا القائد العظيم

بعد جهاد دام أكثر من أربعين عاماً قضاها في فتوح شمال أفريقيا، ابتداء بمصر

وإنتهاء بالمغرب الأقصى
__________________


<CENTER></CENTER>
رد مع اقتباس