
2010-09-17, 01:11 PM
|
|
محاور
|
|
تاريخ التسجيل: 2009-05-02
المشاركات: 833
|
|
بناء مسجد قبة الصخرة
بنى هذا المسجد الخليفة عبد الملك بن مروان وسماه الأوربيون
خطأ مسجد عمر، وقد رصد الخليفة لأعماره أموالاً طائلة، قال ابن
كثير: ولما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال
والعمال ووكل بالعمل رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام مولاه،
وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس،
وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد
أن يفرغا الأموال إفراغاً ولا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات وأكثروا،
فبنوا القبة فجاءت في أحسن البناء، وفرشاها بالرخام الملون
وحفاها بأنواع الستور، وأقاما لها سدنة وخداماً بأنواع الطيب
والمسك والعنبر وماء الورد والزعفران، يعملون منه غاليه
ويبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعلا فيها من قناديل الذهب
والفضة والسلاسل الذهبية والفضية شيئاً كثيراً، وفرشاها بأنواع
البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البخور شمَّ من مسافة بعيدة،
وقد عملوا فيها من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئاً كثيراً مما
في الآخرة، فصورا فيه صورة الصراط وباب الجنة وقدم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ووادي جهنم وكذلك في أبوابه ومواضع
منه، فاغتر الناس بذلك إلى زماننا... وبالجملة فإن صخرة بيت
المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الأرض
بهجة ومنظراً، وقد كان فيها من الفصوص والجواهر
والفسيفساء وغير ذلك شيء كثير وأنواع باهرة، ولما فرغ رجاء
بن حيوة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه، فضل
من المال الذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال، وقيل ثلاثمائة
ألف مثقال، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك، فكتب إليهما قد
وهبته لكما، فكتبا إليه إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد
من حلي نساءنا، فكتب إليهما: إذا أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على
القبة والأبواب، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها
من الذهب القديم والحديث
الشكل النهائي
، وهناك عدة أسئلة تطرح نفسها: ما سبب بناء هذا المسجد
وبهذا الإتقان والإبداع؟ ولماذا تزامن مع حركة ابن الزبير في
الحجاز؟، إن أول المؤرخين الذين حاولوا إيجاد التسويغ لبناء
مسجد قبة الصخرة المشرفة هو اليعقوبي (ت 284) وقد ربط ذلك
بالحكم والخلافة حينئذ، وأوجد صيغة مشتركة في التعامل بين
السلطة الأموية والمجتمع، لأن معظم العالم الإسلامي كان قد بايع
عبد الله بن الزبير بالخلافة (64 ـ 73هـ) ما عدا إقليم الأردن، فقد
قال في كتابه: ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك لأن ابن
الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك
منعهم من الخروج إلى مكة فضج الناس وقالوا: تمنعنا من حج
بيت الله الحرام، وهو فرض علينا، فقال: هذا ابن شهاب الزهري
يحدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تشد الرحال إلا
إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي ومسجد بيت
المقدس. وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي
يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها لما صعد إلى
السماء. واليعقوبي راوي الأثر السابق مؤرخ شيعي إمامي كان
يعمل في كتابة الدواوين في الدولة العباسية حتى لقب بالكاتب
العباسي، وقد عرض اليعقوبي تاريخ الدولة الإسلامية من وجهة
نظر الشيعة الإمامية، فهو لا يعترف بالخلافة إلا لعلي بن أبي
طالب وأبنائه حسب تسلسل الأئمة عند الشيعة، ويسمي علي
بالوصي، وعندما أرخ لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يضف
إليهم لقب الخلافة إنما تولى الأمر فلان، ثم لم يترك واحداً منهم
دون أن يطعن فيه، وكذلك كبار الصحابة، وقد ذكر عن عائشة
رضي الله عنها أخباراً سيئة وكذلك عن خالد بن الوليد، وعمرو
بن العاص،، ومعاوية بن أبي سفيان، وعرض خبر السقيفة خبراً
مشيناً، إدعى فيه إنه قد حصلت مؤامرة على سلب الخلافة من
علي بن أبي طالب الذي هو الوصي في نظره، وطريقته في سياق
الاتهامات ـ الباطلة ـ هي طريقة قومه من أهل التشيع وهي إما
اختلاق الخبر بالكلية، أو التزيد في الخبر، والإضافة عليه أو
عرضه في غير صياغه ومحله حتى يتحرف معناه، ومن الملاحظ
أنه عندما ذكر الخلفاء الأمويين وصفهم بالملوك وعندما ذكر
خلفاء بني العباس وصفهم بالخلفاء، كما وصف دولتهم في كتابه
البلدان باسم الدولة المباركة، مما يعكس نفاقه وتستره وراء
شعار التقية وهذا الكتاب يمثل الانحراف والتشويه الحاصل في
كتابة التاريخ الإسلامي، وهو مرجع لكثير من المستشرقين
والمستغربين الذين طعنوا في التاريخ الإسلامي وسيرة رجاله،
مع أنه لا قيمة له من الناحية العلمية إذ يغلب على القسم الأول
القصص والأساطير والخرافات، والقسم الثاني كتب من زاوية
نظر حزبية، كما أنه يفتقد من الناحية المنهجية لأبسط قواعد
التوثيق العلمي. هذا هو اليعقوبي الذي اعتمده المؤرخون
المتأخرون في روايته قصة بناء مسجد قبة الصخرة أو مسجد
بيت المقدس على حد تعبيره، وعلينا أن نتحفظ من رواية
اليعقوبي الآنفة الذكر ونعتبرها خارجة عن الإطار المقبول لأنه لا
يعقل رجل بمستوى عبد الملك في دهائه ومكره وعقله وفقهه
يضع نفسه موضع شبهة الكفر، فيصد الناس عن الحج إلى بيت
الله الحرام، هذا من ناحية العقل والمنطق،وأما من ناحية السند
فقد بينا ولم نسمع أن أحداً من خصوم الأمويين أوردوا ذلك في
مطاعنهم على عبد الملك ـ سوى الشيعة ـ. كما أن الإمام الزهري
لم يلتق بعبد الملك إلا بعد مقتل ابن الزبير، فقد نقل الذهبي عن
الليث بن سعد أنه قال: قدِم ابن شهاب على عبد الملك سنة اثنين
وثمانين. وقد نص على أن ابن الزبير قتل سنة 72هـ، وبعد مقتله
استوثقت الممالك لعبد الملك، فليس هو في حاجة لمن يضع له
أحاديث لصرف الناس عن الحج والزهري لم يكن عند مقتل ابن
الزبير ذائع الصيت عند الأمة الإسلامية بحيث تتقبل منه حديثاً
موضوعاً يلغي به فريضة الحج الثابتة بالقرآن والأحاديث
الصحيحة وذلك لصغر سنه، فإنه قد ولد بعد الخمسين من
الهجرة، وصداقته بعبد الملك وتردده عليه لا يقدح في أمانته
ودينه، وأما حديث شد الرحال فهو صحيح رواه البخاري ومسلم
وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من العلماء، قال عنه ابن تيميه:
وهو حديث مستفيض، متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم على
صحته وتلقيه بالقبول والتصديق، ولم ينفرد الزهري رحمه الله
برواية هذا الحديث حتى يتهم بوضعه، والحديث ليس فيه فضل
قبة الصخرة وليس فيه الدعوة إلى الحج إليها والطواف حولها
بدلاً عن الكعبة كما يدعي بعض المزورين، وغاية ما فيه فضل
الصلاة في بيت المقدس وزيارته، وأما الصخرة فقد ذكر ابن القيم
أن كل حديث فيها فهو كذب مفترى، وقد قام الدكتور حارث بن
سليمان الضاري بنسف هذه الشبهة في كتابه القيم الإمام الزهري
وأثره في السنة في ثلاثة عشر صفحة وأتى بحجج دامغة قوية
لمن يبحث عن الحقيقة العلمية.
__________________
<CENTER></CENTER>
|