المهلب بن ابي صفرة والقضاء على حركة الخوارج
وصف المهلب بن أبي صفرة الأزدي وشيء من أقواله:
... وصف المهلب بأنه كان نزر الكلام وجيزه، يفضل فعله على
لسانه، متلطفاً في إجاباته، كاتماً للسر، حليماً في موضع الحلم،
شديداً في موضع الشدة، وإن كان الحلم أغلب عليه، فيروى أن
رجلاً شتمه فلم يرد عليه: فقيل له لم حلمت عنه؟ قال: لم أعرف
مساويه وكرهت أن أبهته بما ليس فيه، واتصف المهلب بصبره
واناته في أعماله وحروبه وكان يقول: إناة في عواقبها فوت خير
من عجلة في عواقبها درك، وعندما كان الحجّاج يستعجله
بمناجزة الأزارقة الخوارج، أجابه بقوله: إن البلاء كل البلاء أن
يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره، ومما اشتهر به المهلب
في حروبه هو إعداده للبيات وأحكامه الأمور، أي أنه كان يباغت
أعداءه بشن الهجوم عليهم ليلاً فيحرز انتصارات مؤزرة، واشتهر
المهلب بكرمه وسخائه، ومن أقواله لأبنائه في هذا الباب: ما
رأيت أحداً بين يدي قط إلا أحببت أن أرى ثيابي عليه، واعلموا يا
بني أن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، وكان يحرص على
شراء ود الناس وله قول مأثور في ذلك: عجبت لمن يشتري
المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه، وقيل له بما ظفرت؟
قال: بطاعة الحزم، ومعصية الهوى
ظل الخوارج فرقة واحدة يتبنون أفكاراً ومبادئ واحدة بصفة
عامة إلى ما بعد وفاة يزيد بدأوا ينشقون على أنفسهم وكلما
اختلف أحدهم مع رفاقه في الرأي، انشق عنهم مكوناً له فرقة
خاصة، حتى وصل عدد فرقهم إلى أكثر من ثلاثين فرقة، ومن
أشهر فرق الخوارج التي قاتلها عبد الملك الأزارقة والصفرية.
أولاً الأزارقة: هم أتباع نافع بن الأزرق ، الذين يعدون أشد فرق
الخوارج تطرفاً في الأفكار والمبادئ وجنوحاً إلى العنف، وكان
زعيم هذه الفرقة هو أول من أحدث الخلاف بين الخوارج لتطرفه،
فقد برئ من القاعدين، الذين لا يخرجون معه للقتال، كما قال
بكفر من لم يهاجر إليه. فضلاً عن إباحته أموال ودماء مخالفيه،
وتكفيره لمرتكب الكبيرة وحكمه بخلوده في النارومن أهم ما
تميزت به هذه الفرقة.
ـ الانفصال الكامل عن المجتمع المسلم، حيث زعم نافع وأتباعه
أن دار مخالفيهم دار كفر.
ـ إيمانهم بمبدا
الاستعراض فكانوا يتعرضون للناس بالقتل والنهب، فقد أباحوا
لأنفسهم قتل الرجال والنساء والصبيان((من المسلمين)).
ـ أنهم كفروا القعدة. ونافع أول من أظهر البراءة من القعدة عن
القتال، وإن كانوا موافقين له على دينه وكفر من لم يهاجر إليه
فهذه من أهم البدع الني فارق بها الأزارقة بقية الخوارج.
فارق الأزارقه بقيادة نافع بن الأزرق عبد الله بن الزبير عند ما
تبين لهم أنه لم يكن على رأيهم فيما يذهبون إليه، وقد أنبث أفراد
هذه الفرقة الخارجية في مناطق البصرة والأهواز وما وراءها من
بلاد فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير وصاروا يحاربون
المسلمين جهاراً، وجاءت تولية المهلب على حرب الأزارقة بناء
على اختيار أهل البصرة له واقتران ذلك بموافقة عبد الله بن
الزبير، إلا أن المهلب لم يخرج لقتالهم إلا بعد أن اشترط على أهل
البصرة جملة شروط أجابوه إليها، فخوّل الحق باختيار من يشاء
من المقاتلة، وأن تكون له أمرة وخراج كل بلد يقع في حوزته،
وانتخب المهلب اثني عشر ألف رجل من أخماس البصرة، ولم
يكن بيت المال سوى مئتي ألف درهم عجزت عن عطاء الجند
وعن تجهيزاتهم، فبعث المهلب إلى التجار وقال لهم أن تجارتكم
منذ حول قد كُسرِت بانقطاع موارد الأهواز وفارس عنكم، فهلمّ
فبايعوني وأخرجوا معي أُوفيكم إن شاء الله حقوقكم، فأخذ منهم
من المال ما يصلح به عسكره، واتخذ لأصحابه ما يلزم من
التجهيزات، فلما انتصر المهلب على الخوارج، قام بجباية الخراج
من الكور حتى قضى للتجار ما أخذ منهم.
استمر المهلب يقاوم الخوارج ما يقرب من عامين، ثم استدعاه
مصعب بن الزبير الذي أصبح والي البصرة من قبل أخيه عبد الله
ليشترك معه في حرب المختار الثقفي سنة 67هـ وبعد هزيمة
المختار عين مصعب المهلب والياً على الموصل والجزيرة
وأذربيجان وأرمينية، ولكن أحد لم يستطع أن يقوم مقام المهلب
في مقاومة الخوارج مما اضطر مصعباً أن يستدعيه من الموصل
ليتولى قتالهم من جديد، وبينما المهلب يقاوم الخوارج في
الأهواز تمكن عبد الملك بن مروان من سيطرة الدولة الأموية
على العراق، بعد مقتل مصعب بن الزبير سنة 72هـ، وولي أخاه
بشر بن مروان على العراق وأمره بإبقاء المهلب على حرب
الخوارج ومساعدته، فعمل بشر بما أمره به أخوه وبرهن المهلب
على إخلاصه في حرب الخوارج الأزارقة مهما كانت السلطة التي
تصدر إليه الأوامر، فكما قاتلهم تحت لواء آل الزبير استمر
يقتالهم تحت لواء عبد الملك، ولما أسندت ولاية العراق إلى
الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة 75هـ جدّ في مساعدة المهلب
وحشد له العراقيين وشد أزره، فاشتد في مقاومتهم حتى تمكن من
القضاء على خطرهم، وقد أتاح له الخوارج أنفسهم فرصة كسر
شوكتهم عندما انقسموا على أنفسهم قسمين، قسم تزعمه رجل
اسمه عبد ربه فقد قضي عليه المهلب نهائياً، وأما قطري بن
الفجاءة ومجموعته فقد رحلوا إلى طبرستان، ولكن المهلب تمكن
من القضاء عليهم سنة 77هـ بمساعدة جيش أرسله إليه الحجّاج
بقيادة سفيان بن الأبرد الكلبي، وهكذا قضى المهلب على خطر من
أكبر الأخطار التي هددت الدولة الأموية في عهد عبدالملك بن
مروان، وهم الخوارج الأزارقة الذين كان مسرح عملياتهم العراق
وبلاد فارس وكرمان والأهواز، واستمرت حركتهم ثلاثة عشر
عاماً 65 ـ 78هـ
كانت سياسة المهلب تقوم على النفس الطويل في محاربة
الخوارج وكان ينتظر تفجيرهم من الداخل، حتى يهون عليه
أمرهم ويسهل القضاء عليهم، فقد كتب إلى الحجّاج: إني انتظر
منهم ثلاث خصال: موت صاحبهم قطري بن الفجاءة أو فرقة
وتشتيتاً أو جوعاً قاتلاً، ولم تخطيء تقديرات المهلب للخوارج إذ
سرعان ما دبّ الشقاق في صفوف الأزارقة، فما كان من المهلب
إلا أن انتهز الفرصة فصعّد الخلاف في صفوفهم، فعمد إلى حيلة
ناجحة، فقد عرف بين الخوارج رجلاً يصنع السهام المسمومة،
فأرسل المهلب أحد أصحابه، بكتاب أمره أن يلقيه بين عساكر
قطري سراً كتب فيه: أما بعد، فإن نصالك وصلت وقد أنفذت إليك
ألف درهم. فلما استوضح عن الصانع أنكر فقام قطري بن الفجاءة
بقتله، فخالفه بذلك عبد ربه الكبير ووقع خلاف جديد. وتعميقاً
للخلاف في صفوف الخوارج جنّد المهلب رجلاً نصرانياً وأمره أن
يسجد لقطري بن الفجاءة فلما شاهده الخوارج أنكروا ذلك عليه
وقتلوا النصراني واتهموا زعيمهم بتأليه نفسه. وأخذ الخوارج
يقتتلون فيما بينهم، بينما المهلب ينتظر النتائج النهائية، التي
تسفر عنها هذه التصفيات ليتفرغ لها مما جعله لا يمتثل لأمر
الحجّاج عندما طالبه بمقاتلتهم، بل كتب له: إني لست أرى أن
أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضاً، فإن تمّوا على ذلك، فهو الذي
تريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رمق بعضهم
بعضاً، فأناهضهم حينئذ، وهو أهون ما كانوا وأضعهم شوكة إن
شاء الله تعالى، فكف عنه الحجّاج، وتركهم المهلب يقتتلون شهراً
لا يحركهم، ثم سار إليهم المهلب وتهيأت له الخوارج بقيادة عبد
ربه الكبير ثم تلا ذلك قتل شديد تمكن المهلب في نهايته من
طردهم من جيرفت، ثم لاحقهم حتى هزمهم هزيمة منكرة، وقتل
زعيمهم عبد ربه
ولم ينج منهم إلا عدد قليل، ولعل نجاح المهلب يعود إلى أسلوبه
الحربي، الذي يعتمد على المطاولة ويتجنب العجلة، بجانب قيادته
الحكيمة وشجاعته وخبرته العسكرية ومكره في الحروب. قال الشاعر:
قد يدرك المرء بالتدبير ما عجزت
عنه الكمأة ولم يحمل على بطل
... ونتيجة انتصاراته ضد الخوارج فقد رأى فيه الخليفة عبد
الملك بأنه قادر على إيجاد التوازن بين الأطراف القبلية المتنازعة
فولاّه على خراسان، فمكث فيها خمس سنوات إلى أن توفي عام 82هـ.