الفتوحات في بلاد الروم
من خطب عبد الملك في التحريض على قتال الروم
وفي عهد عبد الملك عندما علم بتحرك الروم بأرض
القسطنطينية وغيرها من بلاد الروم على غزو المسلمين
ومفاجأتهم نادى بالنفير العام وحين اجتمع لديه جند المسلمين
قام فيهم محرضاً فقال لهم بعد أن حمد الله عز وجل وأثنى عليه:
أيها الناس إنكم قد علمتم ما ذكر الله عز وجل في كتابه من فضل
الجهاد وما وعد الله عليه من الثواب ألا وأني قد عزمت أن أغزو
بكم غزوة شريفة على أليون صاحب الروم فإنه طغى وبغى وقد
بلغني أنه قد جمع للمسلمين جموعاً كثيرة وعزم على غزوكم
ومفاجأتكم في دياركم وقد علمت أن الله تعالى مهلكه ومبدد شمله
وجاعل دائر السوء عليه وعلى أصحابه وقد جمعتكم من كل بلد
وأنتم أهل البأس والنجدة، والشجاعة والشدة وأنتم من قام لله
بحقه ولدينه بنصرته وهذا ابني مسلمة وقد أمرته عليكم،
فاستمعوا له وأطيعوا يوفقكم الله ويرشدكم لصالح الأمور فقال
الناس جميعاً سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين، وعندما سير عبد
الملك بن مروان ابنه مسلمة لمحاربة الروم أوصاه بالعسكر
بقوله: فكن يا بنيَّ بالمسلمين باراً رحيماً وأميراً حليماً ولا تكن
عنيداً كفوراً ولا مختالاً فخوراً، كما أوصى عبد الملك قائداً آخر
سيره إلى أرض الروم: أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب
الكيس الذي إن وجد ربحاً تاجر، وإلا احتفظ برأس المال ولا
تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة وكن من احتيالك على عدوك
أشد حذراً من احتيال عدوك عليك.
في أواخر عام 73هـ شعر عبد الملك أن الدولة استعادت قوتها،
وأنها تستطيع أن تستأنف جهادها وتعلي إرادتها، وكانت
العلاقات قد ساءت بين دولة الروم والدولة الإسلامية في هذه
الفترة، وأخذ الروم يتأهبون للانتقاض فكان عبد الملك لهم
بالمرصاد وقد أحكم إعداده، فعين أخاه محمد بن مروان والياً على
الجزيرة وأرمينية ليكون القائد في هذه الجبهة، ومنع عبد الملك
إرسال النقود التي كانت يدفعها وقت الضرورة فأثار هذه حنق
الأمبراطور الروماني البيزنطي، فأعلن الحرب، وقدم بجيش كبير
ليغزو المسلمين من ناحية أرمينية، فلاقاه محمد بن مروان
بجيشه ودارت موقعة عنيفة هزم فيها الروم على كثرة عددهم
هزيمة شنيعة وفر الإمبراطور بنفسه وانفض عنه أكثر جنوده
وكان ذلك عام 74هـ، فزعزعت هذه الوقعة الدولة البيزنطية،
واستغل عبد الملك هذا النصر وواصل ضغطه على الدولة
البيزنطية عبر الحدود وانتظمت غزوات الصوائف والشواتي
وشرع في التوغل داخل الأراضي البيزنطية القريبة فكانت
الصوائف تخرج بانتظام للإغارة على هذه الأراضي يقودها محمد
بن مروان أو غيره من أمراء بني أمية. وفي عام 81هـ بعث عبد
الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك ففتح ((قاليقالا)) وهي إحدى
مدن الروم الكبيرة، وفي عام 84هـ تمكن عبد الله بن عبد الملك
من فتح مدينة أخرى رئيسية، داخل دولة الروم في آسيا
الصغرى، وهي مدينة ((المصيصة) فبنى حصنها، ووضع بها
حامية من ثلاثمائة مقاتل من ذوي البأس، ولم يكن المسلمون
يسكنوها من قبل وبني مسجدها وهكذا اندفعت قوة المسلمين إلى
الإمام، تفتح المعاقل وتستولي على الحصون داخل أرض العدو
في دولة الروم، منذ تحققت الوحدة في عهد عبد الملك ولقد أثبت
عبد الملك بعد إعادة الوحدة السياسية أن الدولة وأن قوّتها
الموحدة قادرة على التفوّق وإحراز السيادة، وتحقيق النصر على
البيزنطيين، وأن قوتها الموحدة قادرة على الاندفاع في الجبهات
كافة، واستمرت الجيوش الإسلامية في جهادها طوال مدة الوليد
ثم سليمان، وقد برز مسلمة بن عبد الملك في تلك الحروب كقائد
فذ، ومقاتل عظيم، فكان في كل سنة يفتح بلداً أو حصناً من
الحصون العظيمة التي أقامها الروم لتأمين سلامة بلادهم
والمحافظة عليها من غارات الأعداء، وكان يغزو معه هذه
الغزوات ـ في عهد الوليد ـ فتح هذه الفتوح العباس بن الوليد بن
عبد الملك ومن الحصون التي فتحها: حصن عمورية وهرقلية
وقمونية، وحصن طوانة وسمطية والمرزبانين وطروس، وكثير
غير هذه الحصون.
ففي جماد الآخرة سنة 88هـ ـ 707م فتح مسلمة بن عبد الملك
والعباس بن الوليد حصن طوانة وشتوا بها، وهزم المسلمون
الأعداء حتى صاروا إلى كنيستهم ثم رجعوا فانهزم الناس، وبقي
العباس ومعه نُفير، منهم ابن محيريز الجُمحي، فقال العباس لابن
محيرز: أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة؟ فقال ابن محيريز:
نادهم يأتوك. فنادى العباس: يا أهل القرآن، فأقبلوا جميعاً فهزم
الله العدو حتى دخلوا طوانة. وهكذا لا تمر سنة وإلا ويغزو
المسلمون أرض الروم ويستولون على بعض حصونهم
ومعاقلهم، ومن الجدير بالذكر أن معظم الذين كانوا يقودون هذه
الحملات هم من أبناء البيت الأموي، أولاد الخليفة الوليد نفسه
وأخوه مسلمة الذي لم يكد يتخلف سنة واحدة عن غزو أرض
الروم، وهذا أمر له مغزاه فقد كان مسلمة هو الذي قاد الجيش
الذي حاصر القسطنطينية الحصار الأخير في عهد سليمان ـ كما
سنذكر قريباً بإذن الله ـ ومعنى هذا أن اشتراكه المستمر في غزو
بلاد الروم كان مقصوداً ليزداد معرفة وخبرة بالطرق والمسالك
إلى عاصمة البيزنطيين، التي كانت إحدى الأهداف الرئيسية من
هذه الغزوات.