عرض مشاركة واحدة
  #23  
قديم 2010-09-17, 01:23 PM
اكرم1969 اكرم1969 غير متواجد حالياً
محاور
 
تاريخ التسجيل: 2009-05-02
المشاركات: 833
افتراضي

اهتم الخليفة عبد الملك بالحدود البرية، فقام ببناء عسقلان

وحصّنها ورمّ قيسارية، وبنى بها بناءً كثيراً وبنى مسجدها، وقام

بتجديد وترميم صور وعكا وأردبيل وبرذعه لما لهذه الثغور من


بقايا مديتة واسط


أهمية حربية، وبنى واليه الحجّاج بن يوسف مدينة واسط كقاعدة

عسكرية تتوسط بين الأهواز والبصرة والكوفة بمقدار واحد قدره

خمسون فرسخاً وذلك أنه كان حينما يريد غزو خراسان ينزل

جيش الشام على أهل الكوفة فكانوا يتأذون منهم فبنى واسطاً،

كمعسكر لهم ولقد لعبت دوراً مهماً في عملية الإمداد لثغور

المشرق، وفي عهد عبد الملك فتح حصن سنان، من بلاد الروم

حيث استفاد منه بشحنه بالجند لحماية الحدود، واهتم عبد الملك

في إدارته العسكرية بحملات الصوائف والشواتي، فكان يوليها

كبار رجالات البيت الأموي، مما يدل على حرصه وعنايته في



صورة البوابة

حماية وتأمين حدود الدولة الإسلامية ضد هجمات الأعداء، وكان

من هؤلاء الأمراء ابنه الوليد، ومن أمراء البيت الأموي الذين

تولوا حملات الصوائف والشواتي لعدة سنوات أخو الخليفة عبد

الملك محمد بن مروان والذي له الأثر الجميل في مباشرة تحصين

وإنشاء حصن المصيصة وشحنه بالجند وبنائه لطرندة وتعزيزه

إياها بالعسكر، وابنه مسلمة بالإضافة إلى كبار القادة أمثال يحي

بن الحكم وعثمان بن الوليد وغيرهما


إن ما حدث في عهد عبد الملك من فتوحات هي امتداد طبيعي

للأسس المتينة والقواعد الراسخة لفقه النهوض الذي أسسه

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكمل بناؤه الخلفاء الراشدون،

وكانت الأمة وكثير من حكامها يعيشون لأجل العقيدة والدعوة

الإسلامية وقد انتصر المسلمون بالإسلام نفسه، فهم قد فهموه

فهماً صحيحاً دقيقاً وطبقوه على أنفسهم فأنشأ منهم خلقاً جديداً،

غير النفوس والقلوب والعقول، وحررها من الوثنية وعبادة غير

الله وفتح أمامهم آفاق الإيمان والعمل فاندفعوا يحملون رسالة

التوحيد إلى الإنسانية كلها فأقاموا أمة وأنشأوا دولة كبرى

وأعلنوا كلمة الله في الأرض حقاً وصدقاً، لقد صيغت هذه الأمة

منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على أساس واضح من

الترابط بين الإسلام والإيمان، والعقيدة والعمل، وفق أصفى

مفهوم للتوحيد وأصدق فهم لإقامة المجتمع الإنساني واجتمع لها

في إيمانها: العقيدة والشريعة والأخلاق دون أن ينفصل أحدها

عن الآخر، وتكامل لها مفهوم المعرفة القائم على القلب والعقل،

وقد ظلت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بكل دقائقها

وتفاصيلها أمام المسلمين قدوة صادقة وأسوة حسنة وقد كانت

المثل الأعلى أمام القادة والمصلحين والأبطال والمجاهدين وما

زالت وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد

انتصر المسلمون بقيم ومقومات ومثل كثيرة تعلموها وتربوا

عليها من القرآن الكريم وهدي الرسول الأمين صلى الله عليه

وسلم ومن أبرز هذه القيم والمقومات عقيدة سليمة، عبادة

صحيحة، كتاب منير، أسوة حسنة، شريعة عادلة، أخلاق حميدة،

جهاد في سبيل الله، تربية صالحة مستمرة، مفهوم شامل للحياة

والمجتمع، بطولة في المواقف، وصمود في وجوه العدو وغير

ذلك من القيم والمقومات.



وصية عبد الملك لأولاده ووفاته


لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت

سمع قصاراً ـ أي: غسالاً ـ بالوادي، فقال: ما هذا قالوا: قصار،

فقال: يا ليتني كنت قصاراً أعيش من عمل يدي،



1 ـ ولما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه

ويقول: وددت لو أكتسب قوتي يوماً بيوم واشتغلت بعبادة ربي.

2 ـ وقيل له لما حضره الموت: كيف تجدك؟ قال: أجدني كما قال

الله تعالى: ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا

خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ))((الأنعام ، الآية : 94).

3 ـ وقيل إنه لما حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم فقال: الحمد لله

الذي لا يسأل أحداً من خلقه صغير أو كبيراً ثم أنشد:


فهل من خالد إما هالكنا


وهل بالموت للباقين عار


وقيل: إنه قال: أرفعوني فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما

أطيبك؟ إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا بك لفي

غرور، ثم تمثل بهذين البيتين:


إن تناقش يكن نقاشك يا رب


عذاباً لا طوق لي بالعذاب


أو تجاوز فأنت رب صفوح


عن مسيء ذنوبه كالتراب


وخطب عبد الملك يوماً خطبة بليغة، ثم قطعها وبكى بكاءً شديداً،

ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها،

اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي فبلغ ذلك القول زاهد العراق

الحسن البصري فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا

الكلام، وقال الشعبي: خطب عبد الملك، فقال: اللهمّ إن ذنوبي

عظام وهي صغار في جنب عفوك يا كريم، فأغفرها لي.

4 ـ جاء ابنه الوليد بباب المجلس وهو غاص بالنساء، فقال:


كيف أصبح أمير اامؤمنين؟ قيل له يُرجى له العافية وسمع عبد

الملك ذلك فقال:



وكم سائل عنا يريد لنا الرَّدى



وكم سائلات والدموع ذوارف



ثم أمر النساء، فخرجن وأذن لبني أمية فدخلوا عليه وفيهم خالد

وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فقال لهما: يا بني يزيد أتحبان أن

أقيلكما بيعة الوليد؟



... قالا معاذ الله يا أمير المؤمنين. قال: لو قلتما غير ذلك لأمرت

بقتلكما على حالتي هذه. ثم خرجوا عنه واشتد وجعه، فتمثل ببيت

أمية بن الصَّلت:



ليتني كنت قبل ما قد بدا لي



في قلال الجبال أرعى الوعولا

وصية عبد الملك لابنه الوليد عند موته تدل على حزمه


لما احتضر عبد الملك دخل ابنه الوليد فبكى، وقال له عبد الملك:

ما هذا؟ أتخن حنين الجارية والأمة، إذا مت فشمر واتزر، وألبس

جلد النمر وضع الأمور عند أقرانها واحذر قريشاً:

1 ـ يا وليد: أتقي الله فيما استخلفك فيه، واحفظ وصيتي.

2 ـ انظر إلى أخي معاوية فصل رحمه واحفظني فيه.

3 ـ وانظر إلى أخي محمد فأمره على الجزيرة ولا تعزله عنها.

4 ـ أنظر إلى ابن عمنا علي بن عباس، فإنه قد انقطع إلينا بمودته

ونصيحته وله نسب وحق فصله رحمه، واعرف حقه.

5 ـ وانظر إلى الحجّاج بن يوسف فاكرمه، فإنه هو الذي مهد لك

البلاد، وقهر الأعداء، وخلص لك الملك وشتت الخوارج.

6 ـ وأنهاك وإخوتك عن الفرقة، وكونوا أولاد أمٍ واحدة، وكونوا

في الحرب أحراراً، وللمعروف مناراً، فإن الحرب لم تدن منية قبل

وقتها، وإن المعروف يشيد ذكر صاحبه، ويميل القلوب بالمحبة،

ويذلل الألسنة بالذكر الجميل، ولله در القائل:


إن الأمور إذا اجتمعنا فرامها

بالكسر ذو حنقٍ وبطشٍ مفند


عزت فلم تكسر وإن هي بددت

فالكسر والتوهين للمتبدد

7 ـ ثم قال: إذا أنا مت فادعو الناس إلى بيعتك، ومن أبى فالسيف،

وعليك بالإحسان إلى أخواتك فاكرمهن، وأحبهن إليَّ فاطمة،

ثم قال: اللهم

أحفظني فيها، وكان قد تزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها.


وصيته لبنيه

... لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة دعا بنيه، فأوصاهم

فقال:

1 ـ يا بني: أوصيكم بتقوى الله، فإنها أحصن كهف وأزين حلة

ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير.

2 ـ وإياكم والاختلاف والفرقة، فإنها بها هلكة الأولون قبلكم،

وذل ذو العدد والكثرة.

3 ـ وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه جنتكم الذي به

تستجنون، ونابكم الذي عنه تفترون.

4 ـ اكرموا الحجّاج، فإنه وطأ لكم المنابر وكونوا عند القتال

أحراراً وعند المعروف مناراً، وكونوا بني أم بررة، أحلولوا في

مرارة ولينلوا في شدة ثم رفع رأيه إلى الوليد فقال:

5 ـ يا وليد: لأعرفنكم إذا وضعتني في حفرتي تمسح عينيك

وتعصرهما فعل الأمة ولكن إذا وضعتني في حفرتي فشمر واتزر،

والبس جلد النمر، ثم أصعد المنبر فادعو الناس إلى البيعة، من

قال كذا فقل كذا.


وفاته ودفنه



... كان عبد الملك يقول: ولدت في رمضان، وفطمت في رمضان،

وختمت القرآن في رمضان، وأتتني الخلافة في رمضان، وأخشى

أن أموت في رمضان، فلما دخل شوال وأمن مات، مات بدمشق

سنة 86هـ يوم الجمعة وقيل الأربعاء وصلى عليه ابنه الوليد ولي

عهده من بعده وكان عمره يوم مات ستين سنة، وقيل ثلاث

وستين سنة وقيل ثمان وخمسين سنة، ودفن بين باب الجابية

وباب الصغير، وكان نقش خاتمه (آمنت بالله مخلصاً)، وانفرد

بالخلافة منذ مقتل ابن الزبير إلى وفاته، والصحيح أنه لما مات

كان عمره ستين سنة حيث ولد عام ستة وعشرين هجرية.

رحمك الله يا أبا الوليد وحدت البلاد وأمنت العباد وأقمت دولة

الاسلام خالصة للمسلمين.
__________________


<CENTER></CENTER>
رد مع اقتباس