12- هل حضر سعد بن أبي وقاص اجتماع الحكمين؟ اجتمع الحكمان في موعدهما المحدد, ومع كل واحد منهما بضع مئات يمثلون وفدين, وفد عن أهل العراق, والآخر يمثل أهل الشام, وطلب الحكمان من عدد من أعيان قريش وفضلائهم الحضور لمشاورتهم والاستئناس برأيهم, ولم يحضر الاجتماع عدد من كبار الصحابة كانوا قد اعتزلوا القتال منذ بدايته وأفضل هؤلاء, سعد بن أبي وقاص, رضي الله عنه, فإنه لم يحضر التحكيم ولا أراد ذلك ولا همَّ به( ). فعن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجًا من المدينة فلما أتاه قال: يا أبة, أرضيت أن تكون أعرابيًا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب سعد صدر عمر وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله × يقول: «إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي»( ).
خامسًا: هل يمكن الاستفادة من حادثة التحكيم في فض النزاعات بين الدول الإسلامية؟
يمكن الاستفادة من حادثة التحكيم في فض النزاعات بين الدول الإسلامية وذلك بتحمل قادة البلاد الإسلامية جميعًا مسئولياتهم ومن ورائهم الأمة الإسلامية التي يحكمونها في الضغط الجاد الصادق, على الطرفين المتنازعين, لكي يوقفا بينهما القتال, ويلجآ إلى التحكيم الشرعي في الإسلام فيرسل هذا الطرف حكمًا من قبله, وذلك حكمًا آخر من قبله أيضًا, للفصل في النزاع القائم وذلك على ضوء ما يلي:
1- تحديد صلاحيات الحكمين في إصدار الأحكام التي لابد منها لحل المشكلات التي هي سبب النزاع.
2- جعل مصادر التشريع الإسلامي هي المرجع الوحيد لإصدار تلك الأحكام والحلول التي تفصل في مسائل النزاع.
3- أخذ العهد على كل طرف من طرفي النزاع, وأخذ العهد على جميع قادة البلاد الإسلامية بقبول ما يصدره الحكمان من أحكام وحلول مشروعة لإنهاء النزاع الراهن على أنها واجبة التنفيذ بحكم الإسلام, وأن الخروج عليها, أو الرضا بذلك الخروج يترتب عليه الإثم شرعًا.
4- إذا أصدر الحكمان ما اتفقا عليه من أحكام, وحلول, وانقاد لها الطرفان المتنازعان قضي الأمر, وكفى الله المؤمنين القتال.
5- إذا رفض أحد الطرفين, أو كلاهما الانقياد لقضاء الحكمين, اعتبر الطرف الرافض هو الطرف الباغي, سواء صدر الرفض من أحدهما, أو من كليهما, ووجب شرعًا على القوات الإسلامية في الأقطار الأخرى أن تضع نفسها تحت تصرف ما يصدره الحكمان من قرارات عسكرية, من أجل التدخل لحسم النزاع بالقوة, على وجه لا تترتب عليه أضرار ومخاطر هي أكبر من ضرر النزاع القائم.
6- ويكون من صلاحيات الحكمين بالاتفاق إصدار القرارات التي تخص كيفية تحريك القوات المسلحة في الأقطار الإسلامية الأخرى, من أجل حل النزاع القائم على ضوء ما سلف بيانه( ). ولعل اللجوء إلى مثل هذه الطريقة في حل المنازعات بين الأقطار, كفيل بسد الطريق على أية قوة خارجية تتدخل في نزاعات المسلمين بحجة أنَّ بعض أطراف النزاع دعاها إلى هذا التدخل.. ومن ثم تستغل هذه الفرصة, لكي تتآمر على المسلمين, فتعمل على تصعيد تلك النزاعات, وفرض الحل الذي يحلو لها, ويكون فيه مصلحتها فقط, وليعاني المسلمون, بعدئذ, من آثار ذلك الحل أسوأ مما كانوا يعانون من فتنة النزاع نفسها, فهذه المعاناة لا تهمها في شيء, لا , بل إن هذه المعاناة هي من جملة الاهتمامات التي فرضت من أجل تفجيرها ذلك الحل المشئوم؛ قلنا: لعل اللجوء إلى التحكيم, على نحو ما سلف بيانه, يسد الطريق في وجه تلك القوى الخارجية التي تبغي في صفوف المسلمين الفساد, هذا, وإن الصفة الإلزامية شرعًا للحل عن طريق التحكيم –الذي عرضناه- تستند إلى إجماع الصحابة, فقد أجمع الصحابة كلهم في عهد النزاع الذي نشب بين علي ومعاوية على اللجوء إلى التحكيم, والقبول به.. سواء في ذلك الصحابة الذين كانوا مع علي, والصحابة الذين كانوا مع معاوية, والصحابة الذين اعتزلوا الفريقين, كسعد بن أبي وقاص, وابن عمر, وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين( ).
سادسًا: موقف أهل السنة من تلك الحروب
إن موقف أهل السنة والجماعة من الحرب التي وقعت بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم هو الإمساك عما شجر بينهم إلا فيما يليق بهم رضي الله عنهم لما يسببه الخوض في ذلك من توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين وقالوا: إنه يجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويرضى عنهم ويترحم عليهم, ويحفظ لهم فضائلهم, ويعترف لهم بسوابقهم, وينشر مناقبهم, وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد, والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ, غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده, وأن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة, ولم يجوَّز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم, وقبل أن أذكر طائفة من أقوال أهل السنة التي تبين موقفهم فيما شجر بين الصحابة أذكر بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى ما وقع بين الصحابة من الاقتتال بما وصفوا به فيها وتلك النصوص هي( ):
1- قال تعالى: +وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الحجرات:9].
ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال لأنهم إخوة, وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سماهم الله –عز وجل- مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهم وإذا كان حصل اقتتال بين عموم المؤمنين, ولم يخرجهم ذلك من الإيمان, فأصحاب رسول الله × الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول من يدخل في اسم الإيمان الذي ذكر في هذه الآية, فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيمانًا حقيقيًا ولم يؤثر ما حصل بينهم من شجار في إيمانهم بحال لأنه كان عن اجتهاد( ).
2- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ×: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلتهم أولى الطائفتين بالحق»( ), والفرقة المشار إليها في الحديث هي ما كان من الاختلاف بين علي ومعاوية, رضي الله عنهما, وقد وصف × الطائفتين معًا بأنهما مسلمتان, وأنهما متعلقتان بالحق, والحديث علم من أعلام النبوة: إذ وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام, وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق, لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام من تكفيرهم أهل الشام, وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق, وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليًا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا, وهو مأجور, إن شاء الله, ولكن عليًا هو الإمام فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»( ).
3- وعن أبي بكرة قال: بينما النبي × يخطب جاء الحسن فقال النبي ×: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»( ) ففي هذا الحديث شهادة النبي × بإسلام الطائفتين أهل العراق وأهل الشام, والحديث فيه رد واضح على الخوارج الذين كفروا عليًا ومن معه, ومعاوية ومن معه بما تضمنه الحديث من الشهادة للجميع بالإسلام, ولذا كان يقول سفيان بن عيينة: قوله فئتين من المسلمين يعجبنا جدًا, قال البيهقي: وإنما أعجبهم لأن النبي × سماهم جميعًا مسلمين وهذا خبر من رسول الله بما كان من الحسن بن علي بعد وفاة على في تسليمه الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان( ).
فهذه الأحاديث المتقدم ذكرها فيها الإشارة إلى أهل العراق الذين كانوا مع علي وإلى أهل الشام الذين كانوا مع معاوية بن أبي سفيان وقد وصفهم النبي × بأنهم من أمته( ), كما وصفهم بأنهم جميعًا متعلقون بالحق لم يخرجوا عنه كما شهد لهم × بأنهم مستمرون على الإيمان, ولم يخرجوا عنه بسبب القتال الذي حصل بينهم, وقد دخلوا تحت عموم قوله تعالى: +وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا" [الحجرات:9]. وقد قدمنا أن مدلول الآية ينتظمهم, رضي الله عنهم أجمعين, فلم يكفروا ولم يفسقوا بقتالهم بل هم مجتهدون متأولون, وقد بين الحكم في قتالهم ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما مر معنا. فالواجب على المسلم أن يسلك في اعتقاده فيما حصل بين الصحابة الكرام, رضي الله عنهم, مسلك أهل السنة والجماعة, وهو الإمساك عما حصل بينهم, رضي الله عنهم, ولا يخوض فيه إلا بما هو لائق بمقامهم, وكتب أهل السنة مليئة ببيان عقيدتهم الصافية النقية في حق أولئك الصفوة المختارة, وقد حددوا موقفهم من تلك الحرب التي وقعت بينهم في أقوالهم الحسنة التي منها( ):
1- سئل عمر بن عبد العزيز , رحمه الله تعالى, عن القتال الذي حصل بين الصحابة فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر بها لساني, مثل أصحاب رسول الله × مثل العيون, ودواء العيون ترك مسها( ), قال البيهقي معلقًا على قول عمر بن عبد العزيز, رحمه الله تعالى: هذا حسن جميل لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب( ).
2- سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد × وغبنا, وعلموا وجهلنا, واجتمعوا فاتبعنا, واختلفوا فوقفنا( ). ومعنى قول الحسن هذا: أن الصحابة كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا, وما علينا إلا أن نتبعهم فيما اجتمعوا عليه, ونقف عند ما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيًا منا, ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل إذ كانوا غير متهمين في الدين( ).
3- سئل جعفر بن محمد الصادق عما وقع بين الصحابة فأجاب بقوله: أقول ما قال الله: +عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى"( ) [طه: 52].
قال الإمام أحمد, رحمه الله, بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ قال: ما أقول فيهم إلى الحسنى( ), وعن إبراهيم بن آرز الفقيه قال: حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية؟ فأعرض عنه فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه فقال: اقرأ: +تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [البقرة:141].
4- وقال ابن أبي زيد القيرواني في صدد عرضه لما يجب أن يعتقده المسلم في أصحاب رسول الله × وما ينبغي أن يذكروا به فقال: وألا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب( ).
5- وقال أبو عبد الله بن بطة أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والعقيدة: ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ×, فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل, فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم, وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم, وأنهم سيقتتلون, وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد وضع عنهم, وكل ما شجر بينهم مغفور لهم( ).
6- قال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: ويجب أن يعلم أن ما جرى بين أصحاب النبي × ورضي الله عنهم, من المشاجرة نكف عنه ونترحم على الجميع ونثني عليهم ونسأل الله تعالى لهم الرضوان والأمان والفوز والجنان, ونعتقد أن عليا عليه السلام أصاب فيما فعل وله أجران, وأن الصحابة رضي الله عنهم إن ما صدر منهم كان باجتهاد فلهم الأجر ولا يفسقون ولا يبدعون, والدليل عليه قوله تعالى: +لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" [الفتح:18], وقوله ×: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» فإذا كان الحاكم في وقتنا له أجران على اجتهاده فما ظنك باجتهاد من رضي الله عنهم ورضوا عنه؟! ويدل على صحة هذا القول: قوله × للحسن رضي الله عنه: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»( ), فأثبت العظمة لكل واحدة من الطائفتين وحكم لهما بصحة الإسلام, وقد وعد الله هؤلاء القوم بنزع الغل من صدورهم بقوله تعالى: +وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ" [الحجر: 47]. إلى أن قال: ويجب الكف عما شجر بينهم والسكوت عنه( ).
7- وقال ابن تيمية: في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة: ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو زيد فيه ونقص وغير عن وجهه, والصحيح منه هم فيه معذورون, إما مجتهدون مصيبون, وإما مجتهدون مخطئون( ).
8- وقال ابن كثير: أما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام: فمنه ما وقع من غير قصد كيوم الجمل, ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين, والاجتهاد يخطئ ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضًا: وأما المصيب فله أجران( ).
9- وقال ابن حجر: واتفق أهل السنة علىوجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف الحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد, بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا, وأن المصيب يؤجر أجرين( ).
فأهل السنة مجمعون على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة, رضي الله عنهم, بعد قتل عثمان والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر محاسنهم رضي الله عنهم وأرضاهم( )
__________________
[CENTER]
تذكروا قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) الانعام
|