Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

 

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

 

برنامج آيــات النسخة المكتبية من موقع القرآن الكريم بجامعة الملك سعود لحفظ القرآن الكريم دون الحاجة للإتصال بالانترنت مصنع الطب النبوى
آخر 7 مشاركات

 
العودة منتدى أنصار السنة > الفرق الإسلامية > المعتزلة | الأشعرية | الإباضية | الخوارج | التكفيريون | المرجئة | الصوفية
 
المعتزلة | الأشعرية | الإباضية | الخوارج | التكفيريون | المرجئة | الصوفيةالصوفية، الأشعرية، الإباضية، الفلاسفة، التكفيريون، العقلانيون العرب، المعتزلة


إضافة رد
أدوات الموضوع
غير مقروء 2011-09-10, 12:23 AM   #1
الثوري
محاور
 
تاريخ التسجيل: 2007-08-24
المكان: أرض الله
المشاركات: 202
الثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــال



الكتاب : الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن
المؤلف : الإمام عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني
الحيدة و الاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن

لأبي الحسن عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني المكي الكناني، المتوفى سنة 240

والمردود عليه هو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة أبي المريسي المعتزلي المتوفى سنة 218

حققه وعلق عليه دكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، أستاذ لقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية

الناشر
مكتبة العلوم والحكم
المدينة المنورة
(1/1)
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ذكر ما جرى بين عبد العزيز بن يحيى رحمه الله وبين بشر المريسي:

قرأت على أبي عمر أحمد بن خالد في ربيع الآخر عام اثنين وخمسين وثلاثمائة، حدثنا أبو عمر وعثمان بن أحمد بن عبد الله السماك قال فنا أبو بكر محمد بن الحسن بن أزهر بن حسين القطايعي، قال: حدثني أبو عبد الله العباس بن محمد بن فرقد، قال: حدثني أبي محمد بن فرقد بهذا الكتاب من أوله إلى آخره، قال: قال عبد العزيز بن مسلم الكناني(1):
__________
(1) أما إسناد الإمام ابن بطة في كتاب الإبانة ورقة 160/ب المرفقة قال: باب ذكر مناظرات الممتحنين بين يدي الملوك الجبارين الذين دعو الناس إلى هذه الضلالة.
... قال: مناظرة عبد العزيز بن يحيى المكي لبشر بن غياث المريسي بحضرة المأمون - حدثنا أبو حفص محمد ابن رجاء قال ثنا أبو أيوب عبد الوهاب بن عمرو النزلي قال حدثني أبو القاسم العطاف بن مسلم قال حدثني الحسين بن بشر ودبيس الصائغ ومحمد بن فرقد قالوا: قال لنا عبد العزيز بن يحيى المكي الكناني... الخ.
(1/2)
اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهره بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعاه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون وعامة الناس وما قد دفع الناس إليه من المحنة، والأخذ في الدخول في هذا الكفر(1)
__________
(1) ذلك لأن القول بخلق القرآن كفر لأن القرآن كلام الله وهو صفة من صفاته، وصفاته من ذاته. ولكن علماء السلف يفرقون بين القول والقائل، فالقول قد يكون كفراً، أما القائل المعين فلا يحكم بكفره إلا بعد قيام الحجة عليه وإزالة الشبهة عنه، ومن هنا نجد إن العلماء حكموا على الجهم بن صفوان بالكفر لقيام الحجة عليه، وكذلك الحكم على غيره ممن قامت عليهم الحجة، وانظر هذه القاعدة العظيمة في هذا الباب من قول شيخ الإسلام ابن تيمية الفتاوى 12/466.
(1/3)
والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته، وإحجامهم عن الرد عليه بما يكسرون به قوله، ويدحضون به حجته ويبطلون به مذهبه، واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجمعات والجماعات، وهربهم من بلد إلى بلد، خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه، رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه.
قال عبد العزيز بن يحيى: فأزعجني ذلك وأقلقني واسهر ليلي وأطال غمي وهمي فخرجت من بلدي متوجها إلى ربي عز
(1/4)
وجل أسأله سلامتي وتبليغي، حتى قدمت ببغداد فشاهدت من غلظ الأمر واحتداده أضعاف ما كان يصل إليه، ففزعت إلى ربي أدعوه وأتضرع إليه راغباً وراهباً، واضعا له خدي، وباسطاً إليه يدي، أسأله أرشادي وتسديدي، وتوفيقي ومعونتي، والأخذ بيدي وأن لا يسلمني ولا يكلني إلى نفسي، وأن يفتح لفهم كتابه قلبي، وأن يطلق لشرح بيانه لساني، وأخلصت لله عز وجل نيتي ووهبت له نفسي، فعجل تبارك وتعالى إجابتي، وثبت عزمي، وشجع وفتح لفهم كتابه قلبي، وأطلق به لساني، وشرح به صدري، فأبصرت رشدي بتوفيقه إياي، وأنست إلى معونته ونصره
(1/5)
وتأييده ولم أسكن إلى مشاورة أحد من خلق الله في أمري، وجعلت أستر أمري وأخفي خبري عن الناس جمعيا "خوفا " من أن يشيع خبري، ويعلم بمكاني فاُقتل قبل أن يُسمع كلامي، فأجمع رأي على إظهار نفسي وإشهار قولي ومذهبي على رؤوس الخلائق والأشهاد، والقول بمخالفة أهل الكفر والضلال والرد عليهم وذكر كفرهم وتبيين ضلالتهم، وأن يكون ذلك في مسجد الجامع في يوم الجمعة، وأيقنت أنهم لا يحدثوا على حادثة، ولا يعجلون عليه بقتل وغيره من العقوبة بعد إشهار نفسي، والنداء بمخالفتهم على رؤوس الخلائق إلا بعد مناظرتي والاستماع مني (
(1/6)
وكان ذلك كله بتوفيق الله عز وجل لي، ومعونته إياي).
قال عبد العزيز بن يحيى: وكان الناس في ذلك الزمان وذلك الوقت في أمرا عظيم، قد منع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والداعون من القعود في الجامعين ببغداد وفي غيرهما من سائر المواضع، إلا بشر المريسي وابن الجهم، ومن كان موافقاً لهما على مذهبهما، فأنهم كانوا يقعدون يعني (الجهم بن صفوان الذي به تعرف الجهمية)(1)
__________
(1) هكذا في الأصل وجهم بن صفوان أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي الكتاب المتكلم رأس الضلالة ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدال كتب للأمير الحارث بن سريج التميمي وكان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه، ويقول بخلق القرآن، ويقول إن الله في الأمكنة كلها، قال ابن حزم: كان يخالف مقاتلا في التجسيم وكان يقول: الإيمان عقد بالقلب وإن تلفظ بالكفر، قيل: إن مسلم بن احوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلم موسى، سنة 128 هـ سير أعلام النبلاء 6/26، ميزان الاعتدال 1/426، الملل والنحل 1/199، الفصل 4/204، الكامل 5/352، الخطط للمقريزي 2/249، 351، ولعل الصواب: ابن الجهم، كما ذكر في السطر السابق فإنه وبشر المريسي ومن وافقهما يعلمون الناس مذهب الجهم بن صفوان...الخ.
(1/7)
ويجتمع الناس إليهم فيعلمونهم الكفر والضلال وكل من أظهر مخالفتهم وذم مذهبهم، أو أتاهم بذلك أحضر، فإن وافقهم ودخل في كفرهم وأجابهم إلى ما يدعونه إليه وإلا قتلوه سراً، وحملوه من بلد إلى بلد، فكم من قتيلاً لم يُعلم به، وكم من مضروب قد ظهر أمره وكم ممن أجابهم واتبعهم على قولهم من العلماء خوفا على أنفسهم لما عرضوا على السيف والقتل أجابوا كرها، وفارقوا الحق عياناً، وهم يعلمون لما حذروا، من بأسهم والوقوع بهم.
(1/8)
قال عبد العزيز: فلما كان في الجمعة التي اعتزمت فيها على إظهار نفسي، وإشهار قولي، واعتقالي، صليت الجمعة بالمسجد الجامع بالرصافه من الجانب الشرقي بحيال القبلة والمنبر بأول صف من صفوف العامة، فلما سلم الإمام من صلاة الجمعة، وثبت قائما على رجلي ليراني الناس ويسمعوا كلامي، ولا تخفى عليهم مقالتي، وناديت بأعلى صوتي لأبني، وكنت قد أقمت أبني بحيالي عند الأسطوانة الأخرى، فقلت له: يا أبني ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق.
(1/9)
قال عبد العزيز: فلما سمع الناس كلامي، ومسألتي لأبني وجوابه إياه هربوا على وجوههم خارجين من المسجد إلا يسير من الناس خوفاً على أنفسهم، وذلك أنهم سمعوا ما لم يكونوا يسمعون، وظهر لهم ما كانوا يخفون ويكتمون، فلم يستتم أبني الجواب حتى أتاني أصحاب السلطان، واحتملوني وأبني فأوقفوني بين يدي عمرو بن مسعدة(1) وكان قد جاء ليصلي الجمعة، فلم نظر إلى وجهي، وكان قد سمع
__________
(1) عمرو بن مسعدة بن سعيد بن صول الكاتب كنيته أبو الفضل، أحد وزراء المأمون توفي سنة سبع عشرة ومائتين. تاريخ بغداد 12/203 وفيات الأعيان 2/475.
(1/10)
كلامي ومسألتي لأبني، وجواب أبني إياي، فلم يحتج أن يسألني عن كلامي، فقال لي: أمجنون أنت؟ قلت: لا. قال: فموسوس أنت؟ قلت: لا. قال: أفمعتوه أنت؟ قلت: لا. أني لصحيح العقل جيد الفهم ثابت المعرفة والحمد الله كثيراً. قال: فمظلوم أنت؟ قلت: لا. فقال لأصحابه ورجالته: مروا بهما إلى منزلي.
قال عبد العزيز: فحملنا على أيد الرجال حتى أخرجنا من المسجد ثم جعلوا يتعادون بنا سحباً شديداً وأيدينا في أيد الرجال يمنه ويسره، وسائر أصحابه خلفنا وقدامنا، حتى صرنا إلى منزل عمرو بن مسعدة على تلك الحال العنيفة الغليظة،
(1/11)
فوقفنا على بابه حتى دخل، وأمر بنا فأدخلنا عليه وهو جالس في صحن داره على كرسي حديد، ووسادة عليه، فلما صرنا بين يديه، أقبل علي فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، فقال: ما حملك على ما فعلت بنفسك؟ قلت: طلب القربة إلى الله عز وجل وطلب الزلفة لديه. قال: فهلا فعلت ذلك سرا من غير نداء ولا إظهار لمخالفة أمير المؤمنين، أطال الله بقاه. ولكنك أردت الشهرة والرياء والتسوق لتأخذ أموال الناس. فقلت: ما أردت من هذا شيئا، ولا أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه لا غير ذلك. فقال: أو تفعل ذلك؟ قلت:
(1/12)
نعم. ولذلك قصدت وبلغت بنفسي ما ترى بعد خروجي من بلدي وتغريري بنفسي مع سلوكي البراري أنا وولدي، رجاء تأدية حق الله عز وجل فيما استودعني من الفهم والعلم وما أخذ علي وعلى العلماء من البيان. فقال: إن كنت إنما جعلت هذا سببا لغيره إذا وصلت إلى أمير المؤمنين فق حل دمك بمخالفتك أمير المؤمنين. فقلت له: إن تكلمت في شيء غير هذا، أو جعلت هذا ذريعة إلى غيره فدمي حلال لأمير المؤمنين.
قال عبد العزيز: فوثب عمرو قائما على رجليه، وقال: أخرجوه بين يدي إلى أمير المؤمنين. قال: فأخرجت، وركب من الجانب الغربي وأنا بين
(1/13)
يديه وولدي يعدي بنا على وجوهنا، وأيدينا في أيدي الرجال حتى صار إلى أمير المؤمنين من الجانب الشرقي، فدخل وأنا في الدهليز قائم على رجلي، فأطال عند أمير المؤمنين، ثم خرج فقعد في حجرة له، وأمر بي فأدخلت عليه، فقال لي: قد أخبرت أمير المؤمنين أطال الله بقاه بخبرك وما فعلت، وما قلت وما سألت من الجمع بينك وبين مخالفيك من المناظرة بين يديه، وقد أمر أطال الله بقاه، بإجابتك إلى ما سألت وجمع المناظرين عن هذه المقالة إلى مجلسة أعلاه الله في يوم الاثنين الأتي وتحضر معهم ليناظروا بين يديه أيده الله ويكون هو
(1/14)
الحاكم بينكم.
قال عبد العزيز: فأكثرت حمد الله على ذلك وشكرته وأظهرت الشكر والدعاء لأمير المؤمنين، فقال لي عمرو بن مسعدة: أعطنا كفيلا بنفسك حتى تحضر معهم يوم الاثنين وليس بنا حاجة إلى حبسك.
فقلت له: أعزك الله أنا رجل غريب ولست أعرف في هذا البلد أحدا ولا يعرفني من أهله أحد، فمن أين لي من يكفلني، وخاصة مع إظهار مقالتي لو كان الخلق يعرفوني لتبرؤا مني، وهربوا من قربي وأنكروا معرفتي، قال: فنوكل بك من يكون معك حتى يحضك في ذلك اليوم، وتنصرف فتصلح من شأنك وتفكر في أمرك فلعلك أن ترجع عن غيك وتتوب من فعلك
(1/15)
فيصفح أمير المؤمنين عن جرمك، فقلت ذلك إليك أعزك الله فأفعل ما رأيت.
قال عبد العزيز: فوكل بي من يكون معي في منزلي وانصرفت.
... قال عبد العزيز: فلما كان يوم الاثنين، صليت الغداة في مسجدي الذي كان على باب منزلي، فلما فرغت من الصلاة إذ بخليفة عمرو بن مسعدة قد جاء ومعه خلق كثير من الفرسان والرجال فحملوني مكرما على دابة حتى صاروا بي على باب أمير المؤمنين فأوقفوني حتى جاء عمرو بن مسعدة فدخل فجلس في حجرته التي كان يجلس فيها، ثم أذن لي بالدخول عليه فدخلت. فلما صرت بين يديه أجلسني ثم قال لي: أنت مقيم على
(1/16)
ما كنت عليه، أو قد رجعت عنه، فقلت: بل مقيم على ما كنت وقد ازددت بتوفيق الله إياي بصيرة في أمري، فقال لي عمرو: أيها الرجل قد حملت نفسك على أمر عظيم وبلغت الغآية في مكروهها وتعرضت لما لا قوام لك به، من مخالفة أمير المؤمنين أطال الله بقاه، وادعيت ما لا يثبت لك به حجة على مخالفيك ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد الحجة عليك إلا السيف، فأنظر نفسك وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحجة، فلا تنفعك الندامة، ولا تقبل لك معذرة، ولا تقال لك عثرة، فقد رحمتك وأشفقت عليك مما هو نازل بك، وأنا استقبل
(1/17)
أمير المؤمنين أطال الله بقاه وأساله الصفح عن جرمك وعظيم ما كان منك، إن أظهرت الرجوع عنه، والندم على ما كان منك، وآخذ لك الأمان منه أيده الله والجائزة، وإن كانت لك ظلامة أزلتها عنك، وإن كانت لك حاجة قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله على يدي من عظيم ما أوقعت بنفسك فيه، فقلت له: ما ندمت أعزك الله ولا رجعت، ولا خرجت عن بلدي، وغررت بنفسي إلا في طلب هذا اليوم، وهذا المجلس رجاء أن يبلغني الله ما أؤمل من إقامة الحق فيه، وما توفيقي إلا
(1/18)
بالله عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال محمد بن الحسن(1) سمعت أبا عبدا لله(2) يقول: قال لي أبي(3) جاء عبد العزيز إلى أبي عبدا لله أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهو في الحبس فقال: إن هذا الأمر الذي أنت فيه ليس تطيقه على دقته، فاذكرني فبعث إليه أبو عبد الله أنا قد وقعت، وأخاف أن أذكرك فأشيط بدمك، فيكون قتلك على يدي، فأقتل أنا أحب إلي، فانصرف بسلام.
__________
(1) هو ابن الأزهر.
(2) أبو عبد الله، هو العباس بن محمد بن فرقد.
(3) هو محمد بن فرقد، وهؤلاء جميعاً ورد ذكرهم في إسناد الكتاب.
(1/19)
قال عبد العزيز: فقام عمرو بن مسعدة على رجليه، وقال: قد حرصت في كلامك جهدي، وأنت حريص مجتهد في سفك دمك وقتل نفسك، فقلت له: معونة الله أعظم، والله عز وجل ألطف من أن يسلمني ويكلني إلى نفسي، وعدل أمير المؤمنين أطال الله بقاه أوسع من أن يقصر عني، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال عبد العزيز: وأمر بي فأخرجت إلى الدهليز الأول، ومعي جماعة موكلون بي، وكان قد تقدم إلى سائر بني هاشم ممن يحضر مجلس أمير المؤمنين أطال الله بقاه، أن يركبوا ووجه إلى الفقهاء والقضاة والموافقين لهم على
(1/20)
مذهبهم. وسائر المتكلمين، والمناظرين أن يحضروا دار أمير المؤمنين، فأمر القواد والأمراء أن يركبوا في السلاح كل ذلك ليرهبوني بهم. ومنع الناس من الانصراف إلى أن ينقضي المجلس، فلما اجتمع الناس وتأهبوا ولم يتخلف منهم أحد ممن يعرفون بالكلام والجدال، أذن لي في الدخول، فلم أزل أنقل من دهليز إلى دهليز حتى صرت إلى الحاجب (صاحب) الستر الذي على باب الصحن، فلما رآني أمر بي فأدخلت إلى حجرته، ودخل معي فقال لي: إن احتجت إلى أن تجدد طهرا فافعل، فقلت: لا حاجة لي بذلك، فقال: صل ركعتين قبل دخولك، فصليت أربع ركعات
(1/21)
ودعوت الله وتضرعت إليه، فلما فرغت، أمر من كان بحجرته فخرج من الحجرة ثم تقدم إلي فقال لي وهو يسارني: يا هذا إن أمير المؤمنين بشر مثلك رجل من ولد آدم، وكذلك كل من يناظرك بحضرته فهو بشر مثلك، فلا تتهيبهم، واجمع فهمك وعقلك لمناظرتهم، وإياك والجزع، واعلم علما يقينا أنه إن ظهرت حجتك عليهم انكسروا وانقطع كلامهم عنك، وأذللتهم وغلبتهم ولم يقدروا على ضر ولا مكروه وصار أمير المؤمنين أطال الله بقاه وسائر الأولياء والرعية معك عليهم، وإن ظهرت حجتهم عليك أذلوك وقتلوك وأشهروك وجعلوك للخلق عبرة، فأجمع همتك
(1/22)
ومعرفتك ولا تدع شيئا مما تحسنه وتحتاج إليه أن تتكلم به خوفا من أمير المؤمنين أو من أحد غيره وتوكل على الله واستخر الله ، وقم فادخل.

فقلت له: جزاك الله خيرا فقد أديت النصيحة وسكنت الروعة وآنست الوحشة، وخرج، وخرجت معه إلى باب الصحن.
قال عبد العزيز: فشال الستر، وأخذ الرجال بيدي وعضدي وجعل أقوام يتعادون بي، وأيديهم في ظهري وعلى عنقي، فجعلت أسمع أمير المؤمنين وهو يقول: خلو عنه خلو عنه، وكثر الضجيج من الحجاب والأولياء بمثل ذلك، فخلي عني وقد كاد عقلي أن يتغير من شدة الجزع وعظيم ما رأيت من ذلك الصحن
(1/23)
من السلاح والرجال، وقد انبسطت الشمس عليهم، وملأ الصحن صفوفا، وكنت قليل الخبرة بدار أمير المؤمنين، ما رأيتها قبل ذلك ولا دخلتها، فلما صرت على باب الإيوان، وقفت هناك فسمعته يقول: قربوه قربوه، فلما دخلت من باب الإيوان وقعت عيني عليه، وقبل ذلك لم أتبينه لما كان على باب الإيوان من الحجاب والقواد، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: أدن مني، فدنوت منه، ثم قال: أدن مني زاده تكرارا، وأنا أدنو منه خطوة خطوة، حتى صرت في الموضع الذي يجلس فيه المناظرون، ويسمع كلامهم، والحاجب معي
(1/24)
يقدمني، فلما انتهيت إلى الموضع. قال لي المأمون: أجلس فجلست.
قال عبد العزيز: فسمعت رجلا من جلسائه يقول وقد دخلت من الإيوان: يا أمير المؤمنين يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، لا والله ما أريت خلق الله قط أقبح وجها منه، فسمعته يقول هذا وفهمت كلامه كله ورأيت شخصه على ما بي من الروعة والجزع والخوف، وجعل ينظر إلي وأنا ارتعد وانتفض، فأحب أن يؤنسني وأن يسكن عني ما قد لحقني وأن ينشطني، فجعل يكثر كلام جلسائه ويكلم خليفته عمرو بن مسعدة، ويتكلم بأشياء كثيرة مما لا يحتاج أن يتكلم بها يريد بذلك كله إيناسي، وجعل
(1/25)
يطيل النظر إلى الإيوان، ويدير طرفه فيه، فوقعت عينه على موضع من نقش الجص قد انتفخ، فقال: يا عمرو أما ترى هذا الذي قد انتفخ من هذا النقش، وسيقع فبادره في يومنا هذا، فقال عمرو: قطع الله يد صانعه، فإنه قد استحق العقوبة على عمله هذا.



;jhf hgpd]m ,hghuj`hv td hgv] ugn lk rhg fogr hgrvNk >>> lil g;g Yfhqn d[f rvhxji

الثوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
غير مقروء 2011-09-10, 12:32 AM   #2
الثوري
محاور
 
تاريخ التسجيل: 2007-08-24
المكان: أرض الله
المشاركات: 202
الثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــال


قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون فقال لي: الاسم، فقلت: عبد العزيز. فقال لي: ابن من؟ فقلت: ابن يحيى قال: ابن من؟ قلت: ابن ميمون الكناني. قال: وأنت من كنانه. قلت: نعم، يا أمير المؤمنين، فتركني ولم يكلمني هنيهة، ثم أقبل علي فقال: من أين الرجل، قلت: من الحجاز، قال: من أي
(1/26)
الحجاز، قلت: من مكة، قال: ومن تعرف من أهلها، قلت: يا أمير المؤمنين كل من بها من أهلها أعرفه إلا رجلا ضوى إليها وجاور بها من الغرباء فإني لا أعرفه، قال: فهل تعرف فلانا، هل تعرف فلانا حتى عد جماعة من بني هاشم كلهم أعرفهم حق معرفتهم، فجعلت أقول: نعم أعرفه، وسألني عن أولادهم وأنسابهم فأخبره من غير حاجة به إلى شي من ذلك، ولا مما تقدم من مسألتي وإنما يريد به إيناسي وبسطي للكلام، وتسكين روعتي وجزعي، فقوى بها ظهري، واشتد بها قلبي، واجتمع بها فهمي، وعلا بها جدي، وانشرح بها صدري، وانطلق بها لساني، ورجوت
(1/27)
بها النصر على عدوي.
قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز إنه اتصل بي ما كان منك في قيامك في المسجد الجامع، وقولك إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبحضرة الخلق على رؤوس الأشهاد، ومسألتك بعد ذلك الجمع بينك وبين مناظريك على هذه المقالة بحضرتي وفي مجلسي، والاستماع منك ومنهم، وقد جمعتك والمخالفين لك لتتناظروا بين يدي وأكون أنا الحكم فيما بينكم فإن تكن لك الحجة والحق معك تبعناك، وإن تكن لهم الحجة عليك والحق معهم عاقبناك. ثم أقبل المأمون على بشر المريسي فقال: يا بشر قم إلى عبد العزيز
(1/28)
فناظره وأنصفه.

قال عبد العزيز: فوثب إلي بشر من موضعه الذي كان فيه كالأسد يثب إلى فريسته، فجاء فانحط علي، فوضع فخذه الأيسر على فخذي الأيمن، فكاد أن يحطمها، واعتمد علي بقوته كلها. فقلت له: مهلا فإن أمير المؤمنين أطال الله بقاه لم يأمرك بقتلي ولا بظلمي، وإنما أمرك بمناظرتي وإنصافي، فصاح به المأمون تنح عنه، وكرر ذلك عليه حتى باعده مني.
قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز ناظره على ما تريد واحتج عليه، ويحتج عليك، وسله ويسألك، وتناصفا في كلامكما، وتحفظا ألفاظكما، فإني مستمع
(1/29)
إليكما ومتحفظ ألفاظكما.
قال عبد العزيز: فقلت السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، ولكني أقول شيئا فإن رأى أمير المؤمنين أبقاه الله أن يأذن لي في ذلك فعلت. فقال: قل ما تريد. فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إني رجل عربي، وفي كلامي دقة، ولم يسمع أمير المؤمنين أطال الله بقاه من كلامي شيئا قبل هذا الوقت، فجليل كلامي في سمع أمير المؤمنين دقيق، وبشر يا أمير المؤمنين كثير سماع أمير المؤمنين دقيق كلامه، فصار في سمع أمير المؤمنين جليلا، فإن رأى أمير المؤمنين أطال الله بقاه أن يأذن لي فأقدم شيئا من كلامي
(1/30)
في هذا المجلس ليقيس ما يدق بعده من كلامي على ما تقدم، ويعرف مذهبي في كلامي، ثم يجمعني ومن أحب لمناظرتي بعد هذا في أي وقت شاء.
قال المأمون: أنا مشغول عن هذا بما يلزمني من أمر المسلمين، وإنما جمعتك ومخالفيك لما أظهرت من مخالفتك إياهم وذمك لمذهبهم، وادعائك الرد عليهم، ومسألتك الجمع (بينك) وبينهم ولست أجمعك وإياهم بعد هذا المجلس إلا عن مناظرة تجري بينك وبينهم فتحتاجون إلى عودة لاستمام ما بقي عليكما من المناظرة فأجمعكما لذلك.
(1/31)
قال عبد العزيز: فقلت في نفسي، هذا الذي سألت الله عز وجل أن يبلغنيه وعاهدته لأن بلغنيه لأقومن بحقه ولأذبن عن دينه بما يلهمني بتوفيقه صابرا محتسبا وإن عرضت على السيف والقتل حتى إذا بلغني الله ما أملته وأعطاني ما سألته، وأيدني بالمعونة، وكفاني المؤونة وعطف قلوب عباده علي، وصرف عني ما كنت أحاذر من سوء بادرة تكون قبل قيامي بحق الله تعالى، أأنقض عهده، وأخلف وعده، وأكفر نعمه، فيسخط علي ويخذلني ويكلني إلى نفسي، والله والله لا فعلت ولو تلفت نفسي.
(1/32)
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين إني لم أتهيب المناظرة ولم أعجز عنها، وإنما أحببت أن أقدم في هذا المجلس شيئا من كلامي ليقف من بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاه ومن في مجلسه على معنى كلامي ودقته فلا يخفى عليهم بعض ما يجري بيننا. قال: فقال أمير المؤمنين المأمون لبشر: ناظر صاحبك على ما تريد.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إن رأيت أن تأذن لي أن أتكلم بشي قد شغل قلبي قبل مناظرتي لبشر. فقال لي: تكلم بما شئت فقد أذنت لك.
(1/33)
فقلت: أسألك بالله يا أمير المؤمنين من بلغك إنه كان أجمل ولد آدم - صلى الله عليه وسلم -. فأطرق مليا، ثم رفع رأسه فقال: يوسف عليه السلام. فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين- فوالله ما أعطي يوسف على حسن وجهه بعرتين، ولقد سجن وضيق عليه من أجل حسن وجهه بعد أن وقف على براءته بالشاهد الذي أنطقه الله عز ول بتصديقه وبيان قوله وبعد إقرار امرأة العزيز إنها هي راودته عن نفسه فاستعصم فحبس بعد ذلك كله لحسن وجهه، قال الله تعالى : {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى
(1/34)
حِينٍ}(1) فدل بقوله عز وجل أنه سجن بغير ذنب لعله حسن وجهه وليغيبوه عنها وعن غيرها، فطال في السجن جبسه حتى إذا عبر الرؤيا ووقف الملك على علمه ومعرفته اشتاق إليه، ورغب في صحبته فقال عز وجل: { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}(2) فكان هذا القول من الملك عندما وقف عليه من علم يوسف ومعرفته قبل أني يسمع كلامه، فلما دخل عليه وسمع كلامه وحسن عبارته صيره على خافي خزائن الأرض، وفوض إليه الأمور كلها وتبرأ منها وصار كأنه من تحت يده، فكان هذا
__________
(1) سورة يوسف آية 35.
(2) سورة يوسف آية 54.
(1/35)
الذي بلغه يوسف عليه السلام بكلامه وعلمه لا بجماله، قال عز وجل: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(1) ولم يقل أني حسن جميل، قال الله عز وجل: { وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}(2) فوالله يا أمير المؤمنين ما أبالي إن وجهي أقبح مما هو، وإني أحسن من الفهم والعلم أكثر مما أحسن.
__________
(1) سورة يوسف آية 55.
(2) سورة يوسف آية 56.
(1/36)
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون وأي شي أردت بهذا القول، وما الذي دعاك إلى ذكر هذا؟ فقلت سمعت بعض من هاهنا يقول لأمير المؤمنين: يكفيك من كلامه قبح وجهه، فما يضرني قبح وجهي مع ما رزقني الله عز وجل من فهم كتابه، والعلم بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه، ثم قلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاه فقد رأيتك تنظر إلى هذا النفش وانتفاخ الجص وتذكره، وسمعت عمرا يعيب ذلك ويدعو إلى صانعه، ولا يعيب الجص، ولا يدعو عليه، فقال المأمون: العيب لا يقع على الشيء المصنوع، وإنما يقع
(1/37)
العيب على الصانع. قال: قلت: صدقت يا أمير المؤمنين، ولكن هذا يعيب ربي لم خلقني قبيحا فازداد تبسما حتى ظهرت (ثناياه).

قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون وقال: يا عبد العزيز: ناظر صاحبك فقد طال المجلس بغير مناظرة، فقلت: أمير المؤمنين أطال الله بقاك، كل متناظرين على غير أصل يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شي من الفروع، فهما كالسائر على غير الطريق، لا يعرف الحجة فيتبعها ويسلكها وهو لا يعرف الموضع الذي يريد فيقصده، ولا يدري من أين جاء فيرجع يطلب الطريق فهو على ضلال أبدا.
(1/38)
ولكننا نؤصل بيننا أصلا، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلا رمينا به ولم نلتفت إليه.
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: نعم ما قلت، فاذكر الأصل الذي تريد أن يكون بينكما، ويذكر أيضا هو مثله حتى تتفقا على الأصل فتؤصلاه بينكما.

قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، أو أصل بيني وبينه ما أمرنا الله به واختاره لنا وأدبنا به وعلمنا ودلنا عليه عند التنازع والاختلاف، ولم يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى اختيارنا.
(1/39)
فقال المأمون: وذلك موجود عن الله عز وجل. قلت: نعم يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}(1).
وهذا تعليم الله عز وجل وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين وهو خير وأحسن ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعت أنا وبشر يا أمير المؤمنين فنحن نؤصل بيننا كتاب الله عز وجل وسنه نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما أمرنا فإن اختلفنا في شيء من
__________
(1) سورة النساء آية 59.
(1/40)
الفروع رددناه إلى كتاب الله عز وجل، فإن وجدناه فيه وإلا رددناه إلى سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإن وجدناه فيها وإلا ضربنا به الحائط ولم نلتفت إليه.
فقال بشر: وأين أمرنا الله أن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - قلت: كأنك لم تسمع ما جرى وما ابتدأت به، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ
(1/41)
تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}(1)
قال بشر: فإنما أمر الله أن يرد إليه وإلى الرسول، ولم يأمرنا أن نرده إلى كتابه العزيز وإلى سنة نبيه عليه السلام.
قال عبد العزيز: هذا مالا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم إن رددناه إلى الله فهو إلى كتاب الله، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته رددناه إلى سنته، وإنما يشك في هذا الملحدون، وقد روى هذا بهذا اللفظ عن ابن عباس(2) وعن جماعة من الأئمة(3)
__________
(1) سورة النساء آية 59.
(2) ابن كثير التفسير 3/304.
(3) ابن كثير التفسير 3/304.
(1/42)
الذين أخذ العلم عنهم رحمة الله عليهم.
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: فافعلا وأصلا بينكما يا عبد العزيز أصلا واتفقا عليه وأنا الشاهد بينكما إن شاء الله تعالى.
قال عبد العزيز: فقلت يا أمير المؤمنين: إنه من الحد في كتاب الله عز وجل جاحدا أو زائدا لم يناظر بالتأويل، ولا بالتفسير، ولا بالحديث.
فقال المأمون: وبأي شي تناظره، قلت: بنص التنزيل كما قال عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا
(1/43)
إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}(1) وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}(2) وقال حين أدعت اليهود تحريم أشياء لم تحرم عليهم: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(3) وقال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي
__________
(1) سورة الرعد آية 30.
(2) سورة الأنعام آية 151.
(3) سورة أل عمران آية 93.
(1/44)
لِنَفْسِهِ}(1).
فإنما أمر الله نبيه بالتلاوة، ولم يأمره بالتأويل، وإنما يكون التأويل لمن أقر بالتنزيل، وإما من الحد في التنزيل فكيف يناظر بتأويله. فقال لي المأمون: ويخالفك في التنزيل، قلت: نعم ليخالفني، أو ليدع قوله ومذهبه ويوافقني.
قال عبد العزيز: ثم أقبلت على بشر فقلت: يا بشر ما حجتك أن القرآن مخلوق، وانظر إلى أحد سهم في كنانتك فارمني به، ولا تحتاج إلى معاودتي بغيره.
فقال: تقول القرآن شيء أم غير شيء، فإن قلت إنه شيء أقررت إنه مخلوق إذ كانت الأشياء مخلوقة بنص التنزيل، وإن
__________
(1) سورة النمل آية 92.
(1/45)
قلت إنه ليس بشيء فقد كفرت لأنك تزعم أنه حجة الله على خلقه وإن حجة الله ليس بشيء.
قال عبد العزيز: فقلت لبشر ما رأيت أعجب من هذا تسألني وتجيب نفسك عني وتكفرني ولم تسمع كلامي ولا قولي فإن كنت سألت لأجيبنك، فاسمع مني فأني أحسن أن أجيب عن نفسي واحتج عن مقالتي ومذهبي، وأن كنت إنما تريد أن تخطئني وتتكلم لتدهشني وتنسيني حجتي فلن أزداد بتوفيق الله إياي إلا بصيرة وفهما، وما أحسبك إلا وقد تعلمت شيئا أو سمعت قائلا يقول هذه المقالة التي قلتها أو قرأتها في كتاب فأنت تكره أن تقطعها حتى تأتي على آخرها.
(1/46)
قال عبد العزيز: فأقبل المأمون ( على بشر) فقال: صدق عبد العزيز، اسمع منه جوابه ورد عليه بعد ذلك بما شئت من الكلام، ثم قال لي: تكلم يا عبد العزيز وأجب عما سألك عنه.
قال عبد العزيز: سألت عن القرآن أهو شيء أم غير شيء، فإن كنت تريد هو شيء إثباتا للوجود ونفيا للعدم(1) فهو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فلا.
فقال بشر: ما أدري ما تقول ولا أفهمه ولا أعقله ولا أسمعه، ولا بد من جواب يفهم ويعقل أنه شيء يعقل أو غير شيء.
__________
(1) فتح الباري 13/402.
(1/47)
قال عبد العزيز: صدقت إنك لا تفهم ولا تعقل ولا تسمع ما أقول ولقد وصفت نفسك بأقبح الصفات، واخترت لها أذم الاختيارات، ولقد ذم الله عز وجل في كتابه من قال مثل ما قلت: أو كان بمثل ما وصفت به نفسك، فقال الله عز وجل: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}(1) وقال عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ
__________
(1) سورة الأنفال آية 22-32.
(1/48)
أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}(1) وقال عز وجل: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}(2). ومثل هذا في القرآن كثيرا جدا، ولقد امتدح الله عز وجل في كتابه أقواما
__________
(1) سورة الزخرف آية 40.
(2) سورة البقرة آية 16-18.
(1/49)
بحسن الاستماع وأثنى عليهم أحسن الثناء فقال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(1) وقال عز وجل: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ}(2) وقال عز وجل: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(3) وقال عز وجل:
__________
(1) سورة الزمر آية 18.
(2) سورة المائدة آية 83.
(3) سورة البقرة آية 285.
(1/50)
{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى ُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}(1) ومثل هذا في القرآن كثير، فما اخترت لنفسك ما اختاره الرسول، ولا ما اختاره المؤمنون، ولا ما اختاره أهل الكتاب، ولا ما اختاره الجن لأنفسهم.
__________
(1) سورة الأحقاف آية 29-30.
(1/51)
قال عبد العزيز: قال المأمون: دع هذا يا عبد العزيز وارجع إلى ما كنت فيه، وبين ما كنت فيه، واشرحه، واحتج لنفسك، فقلت: يا أمير المؤمنين: إن الله عز وجل أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه إذ كان كلامه من صفاته فلم يتسم بالشيء ولم يجعل الشيء أسمائه ولكنه دل على نفسه أنه شيء وأكبر الأشياء إثباتا للوجود ونفيا للعدم(1)، وتكذيباً منه للزنادقة، والدهرية، ومن تقدمهم ممن جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم فقال عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً
__________
(1) فتح الباري 13/402.
(1/52)
ُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}(1) فدل على نفسه أنه شيء ليس الأشياء، وأنزل في ذلك خبرا خاصا مفردا لعلمه السابق أن جهما وبشرا ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه ويشبهون على خلقه، ويدخلونه وكلامه في الأسماء المخلوقة، قال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ َهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(2) فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء المخلوقة بهذا الخبر تكذيبا لمن الحد في كتابه، وافترى عليه، وشبهه بخلقه، قال عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ
__________
(1) سورة الأنعام آية 19.
(2) سورة الشورى آية 11.
(1/53)
بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي َسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}(1) ثم عدد أسماءه في كتابه ولم يتسم بالشيء ولم يجعله أسما من أسمائه، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)(2)
__________
(1) سورة الأعراف آية 180.
(2) خ/ الدعوات، فتح الباري 11/214 ح6410، والتوحيد فتح الباري 13/377 ح7392.
(1/54)
ثم عدها فلم نجده جعل الشيء اسما لله عز وجل، ثم ذكر جل ذكره كلامه نفسه ودل عليه بمثل ما دل على نفسه ليعلم الخلق أنه من ذاته وأنه صفة من صفاته، فقال الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ}(1) فذم الله اليهودي حين نفى أن تكون التوراة شيئا، وذلك أن رجلا من المسلمين ناظر رجلا من اليهود بالمدينة، فجعل المسلم يحتج على اليهودي من
__________
(1) سورة الأنعام آية 91.
(1/55)
التوراة بما علم من صفة النبي- صلى الله عليه وسلم - وذكر نبوته فيها حتى أثبت نبوته - صلى الله عليه وسلم - من التوراة فضحك اليهودي وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله عز وجل تكذيبه، وذم قوله، وأعظم فريته حين جحد أن يكون كلام الله شيئا، ودل بذلك على أن كلامه شيء ليس كالأشياء، كما دل على نفسه أنه شيء ليس كالأشياء ثم قال في موضع أخر: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}(1) فدل بهذا الخبر أيضا على
__________
(1) سورة الأنعام 93.
(1/56)
أن الوحي شي بالمعنى، وذم من جحد أن كلام الله شيء فلما أظهر الله عز وجل اسم كلامه لم يظهره باسم الشيء فيلحد الملحدون في ذلك ويدخلونه في جملة الأشياء المخلوقة، ولكنه أظهره عز وجل باسم الكتاب والنور والهدى ولم يقل قل من أنزل الشيء الذي جاء به موسى، فيجعل الشيء اسما لكلامه، وكذلك سمى كلامه بأسماء ظاهرة يعرف بها، فسمى كلامه نورا وهدى، وشفاء، ورحمة، وحقا، وقرآنا، وأشباه ذلك لعلمه السابق في جهم وبشر ومن يقول بقولهما إنهم سيلحدون في أسمائه وصفاته التي هي من ذاته وسيدخلونها في الأشياء المخلوقة.
(1/57)
الثوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
غير مقروء 2011-09-10, 12:49 AM   #3
الثوري
محاور
 
تاريخ التسجيل: 2007-08-24
المكان: أرض الله
المشاركات: 202
الثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــال

فقال بشر: يا أمير المؤمنين قد اقر عبد العزيز إنه شيء، وإنه لا كالأشياء فليأت بنص التنزيل كما أخذ علي وعلى نفسه، أنه ليس كالأشياء، وإلا فقد بطل ما ادعاه وصح قولي إنه مخلوق، إذ كنا قد أجمعنا واتفقنا إنه شيء، وقلت أنا هو شيء كالأشياء وداخل في الأشياء، وقال هو ليس هو شيء كالأشياء ولا داخل في الأشياء، فليأت بنص التنزيل على ما ادعاه، وإلا فقد ثبتت الحجة عليه بخلقه إذ كان الله عز وجل قد أخبرنا بنص التنزيل أنه خالق كل شيء.
(1/58)
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون هذا يلزمك يا عبد العزيز، وجعل محمد بن الجهم وغيره يصيحون (يقولون) ظهر أمر الله وهم كارهون، جاء الحق وزهق الباطل وطمعوا في قتلي، وجثا بشر على ركبتيه وجعل يقول: أقر والله يا أمير المؤمنين بخلق القرآن، فأمسكت فلم أتكلم حتى قال لي المأمون: مالك لا تتكلم يا عبدالعزيز فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، قد تكلم بشر وطالبني بنص التنزيل على ما قلت وهو المناظر لي فضجيج هؤلاء أي شيء هو وأنا لم أنقطع ولم أعجز عن الجواب وإقامة الحجة بنص التنزيل كما طالبني ولست أتكلم في
(1/59)
هذا المجلس ويتكلم فيه غير بشر إلا أن ينقطع بشر عن الحجة فيعتزل ويتكلم غيره في مكانه، فصاح المأمون بمحمد بن الجهم وغيره فأمسكوا.
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون تكلم يا عبد العزيز فليس يعارضك أحد غير بشر.
قال عبد العزيز: قال الله عز وجل: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(1) وقال عز وجل {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(2) وقال عز وجل: {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا
__________
(1) سورة النحل آية 40.
(2) سورة يس آية 82.
(1/60)
يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(1) فدل عز وجل بهذه الأخبار كلها وأشباه لها كثيرة على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه غير الأشياء، وأنه خارج عن الأشياء، وأنه إنما تكون الأشياء بقوله وأمره، ثم ذكر خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيئا إلا ذكره، وأخرج كلامه وقوله وأمره منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء وخارج عن الأشياء المخلوقة، فقال عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
__________
(1) سورة البقرة آية 117.
(1/61)
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}(1) فجمع في هذه اللفظة الخلق كله، ثم قال: والأمر، يعني الأمر الذي كان به هذا الخلق، ففرق عز وجل بين خلقه وبين أمره، فجعل الخلق خلقا والأمر أمرا، وجعل هذا غير هذا، وهذا غير هذا، فقال عز وجل: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}(2) يقول إذا أردت شيئا فإنما هو كلمح البصر يقول له كن كما أريد فيكون كلمح بالبصر، وقال عز وجل:
__________
(1) سورة الأعراف آية 54.
(2) سورة القمر آية 50.
(1/62)
{لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}(1) يقول من قبل الخلق ومن بعد الخلق، ثم جمع عز وجل بين الأشياء المخلوقة في آيات كثيرة من كتابه، وأخبر عن خلقهما بقوله وكلامه، وأن كلامه وقوله غيرها وخارج عنها فقال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ}(2) وقال عز وجل {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ
__________
(1) سورة الروم آية 4.
(2) سورة الأنعام آية 73.
(1/63)
الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(1) وقال عز وجل: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ}(2) وقال عز وجل{حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى}(3) وقال عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا
__________
(1) سورة الحجر آية 85.
(2) سورة العنكبوت آية 44.
(3) سورة الأحقاف آية 1-3.
(1/64)
بِالْحَقِّ}(1) وقال عز وجل: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}(2) وقال عز وجل: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(3).
__________
(1) سورة الدخان آية 38-39.
(2) سورة الروم آية 8.
(3) سورة الجاثية آية 22.
(1/65)
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون بعض هذا يجزيك فاختصره، فقلت: يا أمير المؤمنين قد أخبرنا الله عز وجل عن خلق السموات والأرض وما بينهما، فلم يدع شيئا من الخلق إلا ذكره، وأخبر عن خلقه، وأنه إنما خلقه بالحق، وأن الحق قوله وكلامه الذي به خلق الخلق كله، وأنه غير الخلق، وخارج عن الخلق، وهذا نص التنزيل على أن كلام الله غير الأشياء المخلوقة، وليس هو كالأشياء وإنما به تكون الأشياء.
فقال بشر: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك فقد أدعى أن الأشياء إنما تكون بقوله، ثم جاء بأشياء متباينات متفرقات فزعم أن الله عز
(1/66)
وجل يخلق بها الأشياء فأكذب نفسه ونقض قوله ورجع عما ادعاه من حيث لا يدري، وأمير المؤمنين أطال الله بقاه الشاهد عليه الحاكم بيننا.
قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز قد قال بشر كلاما قد قلته وتحتاج أن تصحح قولك ولا ينقض بعضه بعضا، وجعل بشر يصيح ويقول: لو تركناه يتكلم لجاءنا بألف لون مما خلق الله عز وجل بها الأشياء.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، ذهبت الحجج وانقطع الكلام، ورضي بشر وأصحابه بالضجيج والترويج إلى الباطل وقطع المجلس وطلب الخلاص ولا خلاص من
(1/67)
الله عز وجل. قال: فصاح المأمون: يا بشر أقبل على صاحبك واسمع منه، ودع هذا الضجيج، وكان قد قعد منا مقعد الحاكم من الخصوم.

قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون وقال: تكلم يا عبد العزيز. فقلت: يا بشر زعمت أني قد أتيت بأشياء متباينات متفرقات، فزعمت أن الله خلق بها الأشياء، فما قلت إلا ما قال الله عز وجل في كتابه، وما جئت بشيء غير كلام الله ولا قلت ولا أقول إلا أن (الله) خلق الأشياء بكلامه.
قال بشر: يا أمير المؤمنين، قد قال إنه خلق الأشياء بقوله وبأمره، وبكلامه، وبالحق، فقال المأمون: بلى قد قلت هذا
(1/68)
يا عبد العزيز.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين قد قلت هذا، وما قلته إلا على صحته، ولا خرجت عن كتاب الله عز وجل ولا قلت إلا ما قال الله عز وجل، ولا أخبرت إلا بما أخبر الله عز وجل به أنه خلق (مما) يوافق بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وكل ما ذكر الله عز وجل إنه خلق ويخلق به الأشياء فهو شيء واحد له أسماء، هو كلام الله، هو قول الله، هو أمر الله، وهو الحق، فقول الله هو كلامه وكلامه هو الحق، والحق هو أمره، وأمره هو قوله، وقوله هو الحق، وهي أسماء شتى لشيء واحد، وكما سمى كلامه نورا وهدى وشفاء ورحمة
(1/69)
وقرآنا، وفرقانا، فهذا مثل ذلك، وذلك مثل هذا، وإنما أجرى الله عز وجل مثل هذا على كلامه، كما أجراه على نفسه لأنه من ذاته، فسمى كلامه بأسماء كثيرة، وهي شيء واحد كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد أحد صمد فرد، وإنما ينكر بشر هذا ويستعظمه لقلة فهمه ومعرفته باللغة، ومعنى كلام العرب وألفاظها.
قال بشر: يا أمير المؤمنين قد أصل بيني وبينه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم -، وزعم أنه لا يقبل إلا نص التنزيل فما لنا ولذكر لغة العرب وغيرها لست أقبل منه إلا نص التنزيل بما قال أن كلام الله هو
(1/70)
قوله، وهو أمره، وهو الحق.
فقال المأمون: ذلك يلزمك يا عبد العزيز لما عقدت على نفسك من الشرط.
قال عبد العزيز: فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين إن ذلك يلزمني وعلي أن آتي به من نص التنزيل، قال: هاته.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله عز وجل وقد ذكر كلامه فقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ}(1) يعني حتى يسمع القرآن، لأنه لا يقدر أن يسمع كلام الله من الله، وإنما عنى القرآن لا خلاف بين أهل العلم واللغة في ذلك. وقال عز وجل
__________
(1) سورة التوبة آية 6.
(1/71)
{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ}(1) فسمى الله القرآن كلامه، وسماه قوله، وأخبر أن قوله هو كلامه بقوله عز من قائل: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ}(2) وقال الله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ
__________
(1) سورة الفتح آية 15.
(2) سورة الفتح آية 15.
(1/72)
اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ}(1) فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق، وقال عز وجل : {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ}(2) فأخبر عن القرآن إنه الحق ، وقال عز وجل : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ
__________
(1) سورة البقرة آية 91.
(2) سورة الأنعام آية 66.
(1/73)
الْمُمْتَرِينَ}(1) فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق وقال عز وجل : {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}(2) فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق وقال عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم - : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}(3) وقال عز
__________
(1) سورة يونس آية 94.
(2) سورة هود آية 17.
(3) سورة يونس آية 108.
(1/74)
وجل: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}(1) وقال : {الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ}(2) وقال عز وجل: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ}(3) وقال عز وجل: {وَإِذَا
__________
(1) سورة الرعد آية 1.
(2) سورة السجدة آية 1-2.
(3) سورة المائدة آية 83.
(1/75)
يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا}(1)، فهذه كلها وأمثالها في القرآن كثير، إخبار الله عن القرآن أنه الحق، فسماه باسم الحق، ثم ذكر عز وجل أن القرآن قوله وأن قوله هو الحق فقال عز وجل: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}(2) فهذا خبر الله عن قوله إنه الحق وإن الحق قوله، وقال عز وجل: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
__________
(1) سورة القصص آية 53.
(2) سورة الأحزاب آية 4.
(1/76)
أَجْمَعِينَ}(1) وقال عز وجل: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ}(2) فهذه أخبار الله كلها عن الحق إنه قوله وأن قوله هو الحق، ومثل هذا في القرآن كثير، ثم ذكر أن الحق كلامه وأن كلامه الحق فقال عز وجل: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}(3) فأخبر عن كلام الله أنه الحق، وقال عز وجل: {وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ
__________
(1) سورة السجدة آية 13.
(2) سورة سبأ آية 23.
(3) سورة يونس آية 33.
(1/77)
الْمُجْرِمُونَ}(1) فأخبر عز وجل عن الحق أنه كلامه وأن كلامه هو الحق، وقال عز وجل: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}(2) فهذه أخبار الله عز وجل عن الحق أنه كلامه وإن كلامه هو الحق ثم ذكر عز وجل أن القرآن أمره، وهو كلامه فقال عز وجل: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِندِنَا}(3) يعني القرآن ،
__________
(1) سورة يونس آية 82.
(2) سورة الزمر آية 71.
(3) سورة الدخان آية 1-5.
(1/78)
فأخبر الله أن القرآن أمره؛ وأن أمره القرآن، وقال عز وجل: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ}(1) يعني القرآن فهذا خبر الله أن القرآن أمره وأن أمره القرآن، وإن هذه أسماء شتى لشيء واحد، وهو الشيء الذي به خلق الأشياء وهو غير الأشياء، وخارج عن الأشياء، وغيره داخل في الأشياء، ولا هو كالأشياء وبه تكون الأشياء، وهو كلامه، وهو قوله، وهو أمره، وهو الحق. وهذا نص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير.
قال عبد العزيز: فقال المأمون: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز.
__________
(1) سورة الطلاق آية 5.
(1/79)
قال بشر: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، إنه يحب أن يخطب ويهذي بما لا أعقله، ولا أسمعه، ولا التفت إليه، ولا أتى بحجة، ولا أقبل من هذا شيئاً.

قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، من لا يعقل عن الله ما خاطب به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وما علمه لعباده المؤمنين في كتابه، ولا يعلم ما أراد الله بكلامه وقوله، يدعي العلم، ويحتج بالمقالات والمذاهب ويدعو الناس إلى البدع والضلالات؟.
(1/80)
فقال بشر: أنا وأنت في هذا سواء، أنت تنتزع بآيات من القرآن لا تعلم تفسيرها ولا تأويلها، وأنا أرد ذلك وأدفعه حتى تأتي بشيء أفهمه وأعقله.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد سمعت كلام بشر وتسويته فيما بيني وبينه، (ولقد فرق الله فيما بيني وبينه) وأخبر أنا على غير السواء، قال: وأين ذلك لك من كتاب الله عز وجل؟ قلت: قال الله عز وجل: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}(1) فأنا والله
__________
(1) سورة الرعد آية 19.
(1/81)
يا أمير المؤمنين أعلم أن الذي أنزل عليه- صلى الله عليه وسلم - هو الحق، وأومن به، وبشر يشهد على نفسه إنه لا يعلم ذلك ولا يعقله ولا يقبله ولا هو مما يقوم لي به عليه حجة، فلم يقل كما قال الله عز وجل، ولا كما علم نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله، ولا كما قال موسى عليه السلام، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال المؤمنين، ولا كما قال أهل الكتاب، ولقد أخبر الله عز وجل عن جهله، وأزال عنه التذكرة، وأخرجه عن جملة أولى الألباب، لكن أمير المؤمنين أطال الله بقاه لما خصه الله به من الفضل والسؤدد، ورزقه
(1/82)
من دقة الفهم وكثرة العلم والمعرفة باللغة عقل عن الله عز وجل قوله، وعرف ما أراد به وما عنى به فقبله واستحسنه ممن انتزعه بين يديه وأظهر قبوله والرضاء بقوله.
فقال بشر: يا أمير المؤمنين قد اقر بين يديك أن القرآن شيء، فليكن عنده كيف (شاء) فقد اتفقنا على أنه شيء، وقال الله عز وجل بنص التنزيل: إنه {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(1) وهذه لفظة لم تدع شيئا إلا أدخلته في الخلق ولا يخرج عنها شيء ينسب إلى الشيء لأنها لفظة استقصت الأشياء وأنت عليها مما ذكر الله تعالى ومما لم يذكرها فصار القرآن
__________
(1) سورة الأنعام آية 102.
(1/83)
مخلوقا بنص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين علي أن أكسر قوله وأكذبه فيما قال بنص التنزيل حتى يرجع أو يقف أمير المؤمنين على كسر قوله وكذبه وبطلان ما أدعاه. فقال: هات ما عندك يا عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}(1) يعني الريح التي أرسلت على عاد، فهل أبقت الريح يا بشر شيئا لم تدمره، قال: لا لم يبق شيء إلا دمرته، وقد دمرت كل شيء كما أخبر الله تعالى لأنه لم يبق شيء إلا وقد دخل في
__________
(1) سورة الأحقاف آية 25.
(1/84)
هذه اللفظة. قلت: قد أكذب الله من قال هذا بقوله: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}(1) فأخب عنهم أن مساكنهم كانت باقية بعد تدميرهم، ومساكنهم أشياء كثيرة. وقال عز وجل: {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ}(2) وقد أتت الريح على الأرض والجبال والمساكن والشجر وغير ذلك فلم يصر شيئا منها كالرميم وقال عز وجل: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}(3) يعني بلقيس، فكأن بقولك يا بشر يجب أن لا يبقى شيء
__________
(1) سورة الأحقاف آية 25.
(2) سورة الذاريات آية 42.
(3) سورة النمل آية 23.
(1/85)
يقع عليه اسم الشيء إلا دخل في هذه اللفظة وأوتيته بلقيس، وقد بقي ملك سليمان وهو مائة ألف ضعف مما أوتيته لم يدخل في هذه اللفظة. فهذا كله مما يكسر قولك ويدحض حجتك، ومثل هذا في القرآن كثير مما يبطل قولك، ولكني أبدأ بما هو أشنع وأظهر فضيحة لمذهبك وأدفع لبدعتك، قال الله عز وجل: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ}(1) وقال: {لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً}(2)
__________
(1) سورة البقرة آية 255.
(2) سورة النساء آية 166.
(1/86)
الثوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
غير مقروء 2011-09-10, 12:50 AM   #4
الثوري
محاور
 
تاريخ التسجيل: 2007-08-24
المكان: أرض الله
المشاركات: 202
الثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــال

فقال بشر: يا أمير المؤمنين قد اقر عبد العزيز إنه شيء، وإنه لا كالأشياء فليأت بنص التنزيل كما أخذ علي وعلى نفسه، أنه ليس كالأشياء، وإلا فقد بطل ما ادعاه وصح قولي إنه مخلوق، إذ كنا قد أجمعنا واتفقنا إنه شيء، وقلت أنا هو شيء كالأشياء وداخل في الأشياء، وقال هو ليس هو شيء كالأشياء ولا داخل في الأشياء، فليأت بنص التنزيل على ما ادعاه، وإلا فقد ثبتت الحجة عليه بخلقه إذ كان الله عز وجل قد أخبرنا بنص التنزيل أنه خالق كل شيء.
(1/58)
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون هذا يلزمك يا عبد العزيز، وجعل محمد بن الجهم وغيره يصيحون (يقولون) ظهر أمر الله وهم كارهون، جاء الحق وزهق الباطل وطمعوا في قتلي، وجثا بشر على ركبتيه وجعل يقول: أقر والله يا أمير المؤمنين بخلق القرآن، فأمسكت فلم أتكلم حتى قال لي المأمون: مالك لا تتكلم يا عبدالعزيز فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، قد تكلم بشر وطالبني بنص التنزيل على ما قلت وهو المناظر لي فضجيج هؤلاء أي شيء هو وأنا لم أنقطع ولم أعجز عن الجواب وإقامة الحجة بنص التنزيل كما طالبني ولست أتكلم في
(1/59)
هذا المجلس ويتكلم فيه غير بشر إلا أن ينقطع بشر عن الحجة فيعتزل ويتكلم غيره في مكانه، فصاح المأمون بمحمد بن الجهم وغيره فأمسكوا.
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون تكلم يا عبد العزيز فليس يعارضك أحد غير بشر.
قال عبد العزيز: قال الله عز وجل: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(1) وقال عز وجل {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(2) وقال عز وجل: {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا
__________
(1) سورة النحل آية 40.
(2) سورة يس آية 82.
(1/60)
يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(1) فدل عز وجل بهذه الأخبار كلها وأشباه لها كثيرة على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه غير الأشياء، وأنه خارج عن الأشياء، وأنه إنما تكون الأشياء بقوله وأمره، ثم ذكر خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيئا إلا ذكره، وأخرج كلامه وقوله وأمره منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء وخارج عن الأشياء المخلوقة، فقال عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
__________
(1) سورة البقرة آية 117.
(1/61)
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}(1) فجمع في هذه اللفظة الخلق كله، ثم قال: والأمر، يعني الأمر الذي كان به هذا الخلق، ففرق عز وجل بين خلقه وبين أمره، فجعل الخلق خلقا والأمر أمرا، وجعل هذا غير هذا، وهذا غير هذا، فقال عز وجل: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}(2) يقول إذا أردت شيئا فإنما هو كلمح البصر يقول له كن كما أريد فيكون كلمح بالبصر، وقال عز وجل:
__________
(1) سورة الأعراف آية 54.
(2) سورة القمر آية 50.
(1/62)
{لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}(1) يقول من قبل الخلق ومن بعد الخلق، ثم جمع عز وجل بين الأشياء المخلوقة في آيات كثيرة من كتابه، وأخبر عن خلقهما بقوله وكلامه، وأن كلامه وقوله غيرها وخارج عنها فقال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ}(2) وقال عز وجل {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ
__________
(1) سورة الروم آية 4.
(2) سورة الأنعام آية 73.
(1/63)
الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(1) وقال عز وجل: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ}(2) وقال عز وجل{حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى}(3) وقال عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا
__________
(1) سورة الحجر آية 85.
(2) سورة العنكبوت آية 44.
(3) سورة الأحقاف آية 1-3.
(1/64)
بِالْحَقِّ}(1) وقال عز وجل: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}(2) وقال عز وجل: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(3).
__________
(1) سورة الدخان آية 38-39.
(2) سورة الروم آية 8.
(3) سورة الجاثية آية 22.
(1/65)
قال عبد العزيز: فقال لي المأمون بعض هذا يجزيك فاختصره، فقلت: يا أمير المؤمنين قد أخبرنا الله عز وجل عن خلق السموات والأرض وما بينهما، فلم يدع شيئا من الخلق إلا ذكره، وأخبر عن خلقه، وأنه إنما خلقه بالحق، وأن الحق قوله وكلامه الذي به خلق الخلق كله، وأنه غير الخلق، وخارج عن الخلق، وهذا نص التنزيل على أن كلام الله غير الأشياء المخلوقة، وليس هو كالأشياء وإنما به تكون الأشياء.
فقال بشر: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك فقد أدعى أن الأشياء إنما تكون بقوله، ثم جاء بأشياء متباينات متفرقات فزعم أن الله عز
(1/66)
وجل يخلق بها الأشياء فأكذب نفسه ونقض قوله ورجع عما ادعاه من حيث لا يدري، وأمير المؤمنين أطال الله بقاه الشاهد عليه الحاكم بيننا.
قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز قد قال بشر كلاما قد قلته وتحتاج أن تصحح قولك ولا ينقض بعضه بعضا، وجعل بشر يصيح ويقول: لو تركناه يتكلم لجاءنا بألف لون مما خلق الله عز وجل بها الأشياء.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، ذهبت الحجج وانقطع الكلام، ورضي بشر وأصحابه بالضجيج والترويج إلى الباطل وقطع المجلس وطلب الخلاص ولا خلاص من
(1/67)
الله عز وجل. قال: فصاح المأمون: يا بشر أقبل على صاحبك واسمع منه، ودع هذا الضجيج، وكان قد قعد منا مقعد الحاكم من الخصوم.
قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون وقال: تكلم يا عبد العزيز. فقلت: يا بشر زعمت أني قد أتيت بأشياء متباينات متفرقات، فزعمت أن الله خلق بها الأشياء، فما قلت إلا ما قال الله عز وجل في كتابه، وما جئت بشيء غير كلام الله ولا قلت ولا أقول إلا أن (الله) خلق الأشياء بكلامه.
قال بشر: يا أمير المؤمنين، قد قال إنه خلق الأشياء بقوله وبأمره، وبكلامه، وبالحق، فقال المأمون: بلى قد قلت هذا
(1/68)
يا عبد العزيز.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين قد قلت هذا، وما قلته إلا على صحته، ولا خرجت عن كتاب الله عز وجل ولا قلت إلا ما قال الله عز وجل، ولا أخبرت إلا بما أخبر الله عز وجل به أنه خلق (مما) يوافق بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وكل ما ذكر الله عز وجل إنه خلق ويخلق به الأشياء فهو شيء واحد له أسماء، هو كلام الله، هو قول الله، هو أمر الله، وهو الحق، فقول الله هو كلامه وكلامه هو الحق، والحق هو أمره، وأمره هو قوله، وقوله هو الحق، وهي أسماء شتى لشيء واحد، وكما سمى كلامه نورا وهدى وشفاء ورحمة
(1/69)
وقرآنا، وفرقانا، فهذا مثل ذلك، وذلك مثل هذا، وإنما أجرى الله عز وجل مثل هذا على كلامه، كما أجراه على نفسه لأنه من ذاته، فسمى كلامه بأسماء كثيرة، وهي شيء واحد كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد أحد صمد فرد، وإنما ينكر بشر هذا ويستعظمه لقلة فهمه ومعرفته باللغة، ومعنى كلام العرب وألفاظها.
قال بشر: يا أمير المؤمنين قد أصل بيني وبينه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم -، وزعم أنه لا يقبل إلا نص التنزيل فما لنا ولذكر لغة العرب وغيرها لست أقبل منه إلا نص التنزيل بما قال أن كلام الله هو
(1/70)
قوله، وهو أمره، وهو الحق.
فقال المأمون: ذلك يلزمك يا عبد العزيز لما عقدت على نفسك من الشرط.
قال عبد العزيز: فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين إن ذلك يلزمني وعلي أن آتي به من نص التنزيل، قال: هاته.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله عز وجل وقد ذكر كلامه فقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ}(1) يعني حتى يسمع القرآن، لأنه لا يقدر أن يسمع كلام الله من الله، وإنما عنى القرآن لا خلاف بين أهل العلم واللغة في ذلك. وقال عز وجل
__________
(1) سورة التوبة آية 6.
(1/71)
{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ}(1) فسمى الله القرآن كلامه، وسماه قوله، وأخبر أن قوله هو كلامه بقوله عز من قائل: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ}(2) وقال الله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ
__________
(1) سورة الفتح آية 15.
(2) سورة الفتح آية 15.
(1/72)
اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ}(1) فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق، وقال عز وجل : {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ}(2) فأخبر عن القرآن إنه الحق ، وقال عز وجل : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ
__________
(1) سورة البقرة آية 91.
(2) سورة الأنعام آية 66.
(1/73)
الْمُمْتَرِينَ}(1) فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق وقال عز وجل : {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}(2) فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق وقال عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم - : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}(3) وقال عز
__________
(1) سورة يونس آية 94.
(2) سورة هود آية 17.
(3) سورة يونس آية 108.
(1/74)
وجل: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}(1) وقال : {الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ}(2) وقال عز وجل: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ}(3) وقال عز وجل: {وَإِذَا
__________
(1) سورة الرعد آية 1.
(2) سورة السجدة آية 1-2.
(3) سورة المائدة آية 83.
(1/75)
يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا}(1)، فهذه كلها وأمثالها في القرآن كثير، إخبار الله عن القرآن أنه الحق، فسماه باسم الحق، ثم ذكر عز وجل أن القرآن قوله وأن قوله هو الحق فقال عز وجل: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}(2) فهذا خبر الله عن قوله إنه الحق وإن الحق قوله، وقال عز وجل: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
__________
(1) سورة القصص آية 53.
(2) سورة الأحزاب آية 4.
(1/76)
أَجْمَعِينَ}(1) وقال عز وجل: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ}(2) فهذه أخبار الله كلها عن الحق إنه قوله وأن قوله هو الحق، ومثل هذا في القرآن كثير، ثم ذكر أن الحق كلامه وأن كلامه الحق فقال عز وجل: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}(3) فأخبر عن كلام الله أنه الحق، وقال عز وجل: {وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ
__________
(1) سورة السجدة آية 13.
(2) سورة سبأ آية 23.
(3) سورة يونس آية 33.
(1/77)
الْمُجْرِمُونَ}(1) فأخبر عز وجل عن الحق أنه كلامه وأن كلامه هو الحق، وقال عز وجل: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}(2) فهذه أخبار الله عز وجل عن الحق أنه كلامه وإن كلامه هو الحق ثم ذكر عز وجل أن القرآن أمره، وهو كلامه فقال عز وجل: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِندِنَا}(3) يعني القرآن ،
__________
(1) سورة يونس آية 82.
(2) سورة الزمر آية 71.
(3) سورة الدخان آية 1-5.
(1/78)
فأخبر الله أن القرآن أمره؛ وأن أمره القرآن، وقال عز وجل: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ}(1) يعني القرآن فهذا خبر الله أن القرآن أمره وأن أمره القرآن، وإن هذه أسماء شتى لشيء واحد، وهو الشيء الذي به خلق الأشياء وهو غير الأشياء، وخارج عن الأشياء، وغيره داخل في الأشياء، ولا هو كالأشياء وبه تكون الأشياء، وهو كلامه، وهو قوله، وهو أمره، وهو الحق. وهذا نص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير.
قال عبد العزيز: فقال المأمون: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز.
__________
(1) سورة الطلاق آية 5.
(1/79)
قال بشر: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، إنه يحب أن يخطب ويهذي بما لا أعقله، ولا أسمعه، ولا التفت إليه، ولا أتى بحجة، ولا أقبل من هذا شيئاً.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، من لا يعقل عن الله ما خاطب به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وما علمه لعباده المؤمنين في كتابه، ولا يعلم ما أراد الله بكلامه وقوله، يدعي العلم، ويحتج بالمقالات والمذاهب ويدعو الناس إلى البدع والضلالات؟.
(1/80)
فقال بشر: أنا وأنت في هذا سواء، أنت تنتزع بآيات من القرآن لا تعلم تفسيرها ولا تأويلها، وأنا أرد ذلك وأدفعه حتى تأتي بشيء أفهمه وأعقله.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد سمعت كلام بشر وتسويته فيما بيني وبينه، (ولقد فرق الله فيما بيني وبينه) وأخبر أنا على غير السواء، قال: وأين ذلك لك من كتاب الله عز وجل؟ قلت: قال الله عز وجل: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}(1) فأنا والله
__________
(1) سورة الرعد آية 19.
(1/81)
يا أمير المؤمنين أعلم أن الذي أنزل عليه- صلى الله عليه وسلم - هو الحق، وأومن به، وبشر يشهد على نفسه إنه لا يعلم ذلك ولا يعقله ولا يقبله ولا هو مما يقوم لي به عليه حجة، فلم يقل كما قال الله عز وجل، ولا كما علم نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله، ولا كما قال موسى عليه السلام، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال المؤمنين، ولا كما قال أهل الكتاب، ولقد أخبر الله عز وجل عن جهله، وأزال عنه التذكرة، وأخرجه عن جملة أولى الألباب، لكن أمير المؤمنين أطال الله بقاه لما خصه الله به من الفضل والسؤدد، ورزقه
(1/82)
من دقة الفهم وكثرة العلم والمعرفة باللغة عقل عن الله عز وجل قوله، وعرف ما أراد به وما عنى به فقبله واستحسنه ممن انتزعه بين يديه وأظهر قبوله والرضاء بقوله.
فقال بشر: يا أمير المؤمنين قد اقر بين يديك أن القرآن شيء، فليكن عنده كيف (شاء) فقد اتفقنا على أنه شيء، وقال الله عز وجل بنص التنزيل: إنه {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(1) وهذه لفظة لم تدع شيئا إلا أدخلته في الخلق ولا يخرج عنها شيء ينسب إلى الشيء لأنها لفظة استقصت الأشياء وأنت عليها مما ذكر الله تعالى ومما لم يذكرها فصار القرآن
__________
(1) سورة الأنعام آية 102.
(1/83)
مخلوقا بنص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين علي أن أكسر قوله وأكذبه فيما قال بنص التنزيل حتى يرجع أو يقف أمير المؤمنين على كسر قوله وكذبه وبطلان ما أدعاه. فقال: هات ما عندك يا عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}(1) يعني الريح التي أرسلت على عاد، فهل أبقت الريح يا بشر شيئا لم تدمره، قال: لا لم يبق شيء إلا دمرته، وقد دمرت كل شيء كما أخبر الله تعالى لأنه لم يبق شيء إلا وقد دخل في
__________
(1) سورة الأحقاف آية 25.
(1/84)
هذه اللفظة. قلت: قد أكذب الله من قال هذا بقوله: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}(1) فأخب عنهم أن مساكنهم كانت باقية بعد تدميرهم، ومساكنهم أشياء كثيرة. وقال عز وجل: {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ}(2) وقد أتت الريح على الأرض والجبال والمساكن والشجر وغير ذلك فلم يصر شيئا منها كالرميم وقال عز وجل: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}(3) يعني بلقيس، فكأن بقولك يا بشر يجب أن لا يبقى شيء
__________
(1) سورة الأحقاف آية 25.
(2) سورة الذاريات آية 42.
(3) سورة النمل آية 23.
(1/85)
يقع عليه اسم الشيء إلا دخل في هذه اللفظة وأوتيته بلقيس، وقد بقي ملك سليمان وهو مائة ألف ضعف مما أوتيته لم يدخل في هذه اللفظة. فهذا كله مما يكسر قولك ويدحض حجتك، ومثل هذا في القرآن كثير مما يبطل قولك، ولكني أبدأ بما هو أشنع وأظهر فضيحة لمذهبك وأدفع لبدعتك، قال الله عز وجل: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ}(1) وقال: {لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً}(2)
__________
(1) سورة البقرة آية 255.
(2) سورة النساء آية 166.
(1/86)
الثوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
غير مقروء 2011-09-10, 12:54 AM   #5
الثوري
محاور
 
تاريخ التسجيل: 2007-08-24
المكان: أرض الله
المشاركات: 202
الثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــالالثوري عضو فعـــــال

وقال عز وجل: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ}(1) وقال عز وجل: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ}(2) فأخبر الله عز وجل بأخبار كثيرة في كتابه، أن له علماً أفتقر يا بشر أن الله علما كما أخبرنا أو تخالف التنزيل؟.
قال عبد العزيز: فحاد بشر عن جوابي وأبا أن يصرح بالكفر فيقول: ليس لله علم، فيكون قد رد نص التنزيل فتتبين ضلالته وكفره، وأبى أن يقول: إن الله علماً، فأسأله عن علم الله هل هو داخل
__________
(1) سورة هود آية 14.
(2) سورة فاطر آية 11.
(1/87)
في الأشياء المخلوقة أم لا؟ وعلم ما أريد، وما يلزمه في ذلك من كسر قوله وإبطال حجته، فاجتلب كلاماً لم أسأله عنه، فقال: معنى علمه إن لا يجهل. فأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين لا يكون الخبر عن المعنى قبل الإقرار بالشيء، وإنما يكون الإقرار بالشيء ثم الخبر عن معناه، فليقر بشر أن لله علماً كما أخبرنا في كتابه، فإن سألته عن معنى العلم وهذا مما لا أسأله عنه فليجبن أن الله لا يجهل، وقد حاد بشر يا أمير المؤمنين عن جوابي.
(1/88)
فقال بشر: وهل تعرف الحيدة؟ قلت: نعم إني أعرف الحيدة في كتاب الله عز وجل وهي سبيل الكفار التي اتبعتها.
فقال لي المأمون: يا عبد العزيز هل تعرف الحيدة في كتاب الله عز وجل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين وفي سنة المسلمين، وفي لغة العرب. فقال: وأين هي من كتاب الله عز وجل. فقلت: قال الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه السلام حين قال لقومه: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}(1) وإنما قال لهم إبراهيم هذا ليكذبهم فيعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم فعرفوا
__________
(1) سورة الشعراء آية 71 –83.
(1/89)
ما أراد بهم، وإنهم بين أمرين:

إما أن يقولوا نعم يسمعوننا حين ندعو وينفعوننا ويضروننا، فيشهد عليهم بلغة قومهم إنهم قد كذبوا. أو يقولوا لا يسمعوننا حين ندعو ولا ينفعوننا ولا يضروننا فينفوا عن آلهتهم القدرة. وعلموا أن الحجة لإبراهيم عليه السلام في أي القولين أجابوه عليهم قائمة. فحادوا عن كلامه واجتلبوه كلاما من غير ما سألهم عنه فقالوا: {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}(1) ولم يكن هذا جوابا لمسألة إبراهيم عليه السلام، وأما الحيدة في سنة المسلمين فيروى عن عمر بن
__________
(1) سورة الشعراء آية 74.
(1/90)
الخطاب رضي الله عنه أنه قال لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وقد قدم عليه فنظر إليه يكاد يتفقأ شحما، فقال: يا معاوية ما هذه الشحمة لعلها من نومة الضحى ورد الخصوم، قال له معاوية: يا أمير المؤمنين رحمك الله علمني وفهمني، ولم يكن هذا جواباً لقول عمر رضي الله عنه إنما حاد عن جوابه لعلمه بما فيه، فاجتلب كلاما غيره فأجاب به.

وأما الحيدة في كلام العرب فقول امرئ القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... ... عقرت بعيري يا امرء القيس فانزل
(1/91)
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ... ولا تبعدني من جناك المعلل(1)

ولم يكن هذا جواباً لكلامها، وإنما حاد عن جوابها واجتلب كلاماً غيره، قال: فأقبل المأمون على بشر فقال: يأبي عليك عبد العزيز إلا أن تقرأن لله علماً فأجبه ولا تحد عن جوابه. فقال بشر: قد أجبته وأن معنى العلم لا يجهل وهذا جوابه ولكنه يتعنث.
قال عبد العزيز: فقلت يا أمير المؤمنين صدق أن الله لا يجهل، ولم تكن مسألتي إياه على هذا، إنما سألته أني يقر بالعلم الذي أخبر الله تعالى عنه في كتابه وأثبته لنفسه ولم أسأله عن الجهل
__________
(1) معلقة امرئ القيس.
(1/92)
فينفي الجهل عن الله تعالى فليقر أن لله علماً، ولينفي أن الله لا يجهل.
قال عبد العزيز: ثم التفت إلى بشر فقلت: لا بد من أن تقول أن لله علما كما أخبر، أو ترد أخبار الله بنص التنزيل، أو يقف أمير المؤمنين على حيدتك عن جوابي، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين إن نفي الجهل عنه هو جوابه وهو الذي عناه الله في كتابه وهو الذي يطالبني به واحد إلا أن اللفظين مختلفان.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين إن نفي السوء لا تثبت به المدحة قال بشر: وكيف ذلك؟ قلت: إن قولي هذه الاسطوانة لا تجهل ليس هو إثبات العلم لها.
(1/93)
قال عبد العزيز: ثم أقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين إنه لم يمدح الله تعالى في كتابه ملكاً ولا نبياً ولا مؤمناً بنفي الجهل ليدل على إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم فقال عز وجل: {كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}(1) ولم يقل لا يجهلون، وقال عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم -: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}(2) وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
__________
(1) سورة الانفطار آية 10-11.
(2) سورة التوبة آية 43.
(1/94)
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}(1) ولم يقل الذين لا يجهلون فهذا قول الله تعالى ومدحته للملائكة وللنبي - صلى الله عليه وسلم -، وللمؤمنين فمن أثبت العلم نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق جميعاً أن يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عما أمسك الله، فما اختار بشر يا أمير المؤمنين من حيث اختار الله لنفسه، ولا من حيث اختار للملائكة، ولا من حيث اختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولا من حيث اختار لعباده المؤمنين، فمن أجهل ممن اختار لنفسه غير ما اختار الله
__________
(1) سورة فاطر آية 28.
(1/95)
لنفسه ولملائكته ولأنبيائه ولعباده المؤمنين.

قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: فإذا قال بشر إن لله علماً وأقر بذلك فيكون ماذا، قلت: اسأله يا أمير المؤمنين عن علم الله هل هو داخل في الأشياء المخلوقة حين احتج بقوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(1) فزعم إنه لم يبق شيء إلا وقد أتى عليه هذا الخبر. فإن قال: نعم فقد دخل في الأشياء المخلوقة فقد شبه الله يا أمير المؤمنين بخلقه الذين أخرجهم من بطون أمهاتهم ولا يعلمون شيئاً، وكل من تقدم (وجوده) قبل علمه فقد دخل عليه الجهل فيما بين وجوده
__________
(1) سورة الأنعام آية 102.
(1/96)
إلى حدوث علمه، وهذه صفة المخلوقين، والله عز وجل أعظم وأجل من أن يوصف بذلك أو ينسب إليه، ومن قال ذلك فقد كفر وحل دمه ووجب على أمير المؤمنين قتله، وإن قال إن علم الله خارج عن جملة الأشياء وغير داخل فيها، كما أن قوله خارج عن الأشياء وغير داخل فيها، فمن ثم ترك قوله وضل يا أمير المؤمنين وثبتت عليه الحجة فيها. فقال المأمون: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز، وإنما فر بشر أن يجيبك في هذه المسألة لهذا. ثم أقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز تقول إن الله عالم. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فتقول: إن الله
(1/97)
سميع بصير. قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فتقول إن لله سمعاً وبصراً. كما قلت إن له علم، فقلت، لا أطلق هذا هكذا يا أمير المؤمنين. فقال: أي فرق بين هذين؟ فأقبل بشر يقول: يا أمير المؤمنين يا أفقه الناس، ويا أعلم الناس يقول الله عز وجل: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}(1).
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين قد قدمت إليك فيما احتججت به إن على الناس كلهم جميعا أن يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عما أمسك
__________
(1) سورة الأنبياء آية 18.
(1/98)
الله عنه، فأخبرنا الله عز وجل أن له علما بقوله: {فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ}(1) فقلت: إن له علماً كما قال: وأخبرنا إنه سميع بصير بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(2) فقلت: إنه سميع بصير كما قال. ولم يخبرنا أن له سمعاً وبصراً(3)
__________
(1) سورة هود آية 14.
(2) سورة الشورى آية 11.
(3) مذهب أهل السنة والجماعة، أن أسماء الله عز وجل كلها حسنى كما قال تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهي أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، فقوله تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} فالسميع – يتضمن إثبات أسماً لله عز وجل، وإثبات السمع صفه له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنجوى قال تعالى: {... وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
... فقد روى الإمام أحمد والبخاري تعليقاً في كتاب التوحيد 13/372:
... عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلمه وأنا في ناحية من البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} وقد أورد ابن كثير هذا الحديث في تفسير الآية 8/60.
... والإمام الكناني من أهل السنة والجماعة وهو الناصر لمذهبهم بما جاء في الكتاب والسنة، فلا يخالف قولهم، وأما قوله: ولم أقل إن له سمعاً وبصراً وأمسكت عند إمساكه، فلعل ذلك على سبيل المناظرة التي يتحاشا فيها الدخول في دقائق المسائل التي قد تخفى على الحضور، وكل ما في الأمر أنه أمسك مجتهداً ولم ينف الصفة. كما أنه أثبت صفة العلم، ولهذا قال المأمون لبشر وأصحابه: ما هو بمشبه فلا تكذبوا عليه.
... أما المعتزلة الذين ينفون الصفات التي تدل عليها الأسماء الحسنى، فيقولون: سميع بلا سمع بصير بلا بصر، عليم بلا علم.. وهكذا يسلكون في نفي صفات الله تعالى.
(1/99)
، فقلت: كما قال. وأمسكت عند إمساكه. فأقبل عليهم المأمون فقال: ما هو مشبه فلا تكذبوا عليه. فقال بشر: قد زعمت أن الله علماً، فأي شيء هو علم الله، ومعنى علم الله فقلت له: هذا مما تفرد الله بعلمه ومعرفته وحجب عن الخلق جميعا علمه فلم يخبر به ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا علمه أحد قبلي، ولا يعلمه أحد بعدي لأن علم الله أكبر وأوسع وأعظم من أن يعلمه أحد من خلقه، ألم تسمع إلى قوله عز وجل: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}(1) وقال: {عَالِمُ الْغَيْبِ
__________
(1) سورة البقرة آية 255.
(1/100)
فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ}(1) وقال عز وجل: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(2) وقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا
__________
(1) سورة الجن آية 26-27.
(2) سورة الأنعام آية 59.
(1/101)
نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(1). أتدري يا بشر ما معنى هذا؟ قال: وأي شيء هذا مما نحن فيه. فقال المأمون: قل يا عبد العزيز أنت ما معنى هذا. قلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك يقول: ولو أن ما في الأرض من جميع الشجر والخشب والقصب أقلام يكتب بها والبحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر بالمداد والخلائق كلهم يكتبون بهذه الأقلام من هذا الشجر ما نفذت كلمات الله، فمن يبلغ عقله أو فهمه أو فكره كنه عظمة الله عز وجل وسعة علمه وكثرة كلامه، قال عز وجل: {قُل لَّوْ
__________
(1) سورة لقمان آية 27.
(1/102)
كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}(1) فمن يحد هذا أو يصفه أو يدعي علمه؟ وقد عجزت الملائكة المقربون عن علم ذلك واعترفوا بالعجز {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}(2) وقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي
__________
(1) سورة الكهف آية 109.
(2) سورة البقرة آية 32.
(1/103)
نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1) فقال بشر: لا بد أن تقول أي شيء هو علم الله أو يقف أمير المؤمنين أطال الله بقاه على حيدتك عن الجواب فأكون أنا وأنت في الحيدة سواء. فقلت: إنما تأمرني بما نهاني الله عنه وحرم علي القول به، وتأمرني بما أمرني به الشيطان، ولست أعصي الله وارتكب نهيه وأطيع الشيطان وأتبع أمره وأمرك إذ قد أمرتماني بمعصية الله وارتكاب نهيه.
__________
(1) سورة لقمان آية 34.
(1/104)
قال عبد العزيز: فاشتد تبسم أمير المؤمنين من كلامي فقال: يا عبد العزيز أمرك بشر بما نهاك الله عنه وحرم عليك القول به، وأمرك بما أمرك به الشيطان؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ومن أين لك ذلك؟ قلت: من كتاب الله وكلامه بنص التنزيل. قال: هاته. قلت: قال الله عز وجل: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(1)
__________
(1) سورة الأعراف آية 32.
(1/105)
فحرم الله على الخلق جميعاً بهذا الخبر أني يقولوا على الله مالا يعلمون. وأمرهم الشيطان بضد ذلك، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(1) وهذا أمر الشيطان لنا أن نقول مالا نعلم، وقد اتبع يا أمير المؤمنين بشر سبيل الشيطان ووافقه على قوله، وأمرني بما نهيت عنه
__________
(1) سورة البقرة آية 168-169.
(1/106)
من ارتكاب نهي الله عز وجل وتحريمه حين قال: لابد أن تقول أي شيء علم الله، وقد أعلمته أني لا أعلمه ولا علمه أحد قبلي ولا يعلمه أحد بعدي.
قال عبد العزيز: فكثر تبسم المأمون حتى غطى فمه بيده وأطرق ينكث بيده على السرير.
(باب ذكر"علم" الله عز وجل)

فقال لي بشر: لو ورد عليك اثنان وقد تنازعا في علم الله عز وجل، فحلف أحدهما بالطلاق: إن علم الله هو الله. وحلف الآخر بالطلاق: إن علم الله غير الله ، فقالا لك: أفتنا في أيماننا فما كان جوابك لهما. قلت: الإمساك عنهما وتركهما وجهلهما وصرفهما بغير جواب. قال بشر
(1/107)
يلزمك ويجب عليك إذ كنت تدعي العلم أن تجيبهما عن مسألتهما وأن تخرجهما من أيمانهما وإلا فأنت وهما في الجهل سواء.

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: أو يجب علي أن أجيب كل من سألني عن مسألة لا أجد لها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرا ولا علماً قد جهل السائل عنها، وحمق الحالف عليها. قال بشر: يجب عليك أن تجيبه عن مسألته فإنه لابد لكل مسألة من جواب.
قال عبد العزيز: فقلت: هذا جهل من قائله. قال عبد العزيز: ثم أقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين سمعت ما قال بشر إنه يجب علي جواب
(1/108)
من سألني عن مسألة وفتياه وإخراجه من يمينه بما لا أجده في كتاب الله ولا في سنة نبيه- صلى الله عليه وسلم -.

فلو ورد علي يا أمير المؤمنين ثلاثة نفر ( قد تنازعوا) في الكوكب الذي أخبر الله عز وجل أن إبراهيم عليه السلام رآه بقوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}(1) فقال أحدهم: حلفت بالطلاق إنه المشتري وقال الآخر حلفت بالطلاق إنه الزهرة. "وقال الآخر حلفت بالطلاق إنه المريخ" فأفتنا في أيماننا
__________
(1) سورة الأنعام آية 76.
(1/109)
وأجبنا في مسألتنا كان علي أن أجيبهم في مسألتهم وأفتيهم في أيمانهم، وذلك مما لم يخبرنا الله عز وجل به ولا رسوله.
فقال المأمون ما ذلك عليك بواجب ولا لك بلازم.
قال عبد العزيز: فقلت له: فلو ورد علي يا أمير المؤمنين ثلاثة نفر قد تنازعوا في الأقلام التي أخبر الله عنها في كتابه بقوله: {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}(1) قال أحدهم: حلفت بالطلاق إن هذه الأقلام نحاساً، وقال الآخر: حلفت بالطلاق إنها خشب، وقال الآخر: حلفت بالطلاق إنها قصب، فأجبنا عن مسألتنا،
__________
(1) سورة أل عمران آية 44
(1/110)
وأجبنا عن أيماننا، وذلك مما لم يخبر الله به ولا رسول ولا يوجد علمه في كتاب الله ولا في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، كان علي يا أمير المؤمنين أن أجيبهم عن مسألتهم وأفتيهم في أيمانهم. فقال المأمون: لا ليس عليك إجابتهم ولا فتياهم. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، فلو ورد علي ثلاثة نفر قد تنازعوا في المؤذن الذي يؤذن بين أهل الجنة والنار الذي أخبر الله عز وجل بقوله: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(1) فقال أحدهم: حلفت بالطلاق إن المؤذن
__________
(1) سورة الأعراف آية 44.
(1/111)
من الملائكة. وقال الآخر: حلفت بالطلاق إن المؤذن من الإنس. وقال الآخر: حلفت بالطلاق إن المؤذن من الجن. فأجبنا عن مسألتنا وافتنا في أيماننا، وذلك مما لا أجده في كتاب الله عز وجل ولا في سنه نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولا أخبرنا الله به ولا رسوله كان علي يا أمير المؤمنين أن أجيبهم في مسألتهم وأفتيهم في أيمانهم، فقال المأمون لا ليس عليك إجابتهم ولا فتياهم، فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين لا يجوز لي ولا لغيري بأن يقض بينهم ولا يفتيهم إلا أن يكون الله عز وجل قد أخبر عن ذلك في كتابه أو عن علم الله، وهو
(1/112)
مما لا يوجد في كتابه ولا في سنة نبيه، ولا أخبرنا الله به ولا رسوله، وقد أكذب الله بشرا على لسان أمير المؤمنين أطال الله بقاه فيما ادعاه من وجوب الجواب علي وفتوى من جهل في مسألته وحمق في يمينه، فقال: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز.
فقال بشر: واحدة بواحدة يا أمير المؤمنين، سألني عبد العزيز أن أقول لله علماُ فلم أجبه، وسألته ما علم الله فلم يجبني فقد استوينا في الحيدة عن الجواب، ونخرج عن هذه المسألة إلى غيرها، وندعها على غير حجة تثبت لأحدنا على صاحبه فيما قال.
(1/113)
قال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن بشرا قد أفحم وانقطع عن الجواب ودحضت حجته وبقي لا حجة يقيمها لهذا المذهب الذي كان يدعو الناس إليه، فلجأ إلى أن يسألني عن مسألة محال يحتج بها علي ليقول: سألني عبد العزيز عن مسألة فلم أجبه، وسألته عن مسألة فلم يجبني عنها، وقد قال ذلك، وأنا وبشر يا أمير المؤمنين على غير السواء في مسألتنا، لأني سألته عما أخبر الله به وشهد به على نفسه وشهدت له الملائكة به، وتعبد الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسائر الخلق بالإيمان به بقوله: {وَقُلْ آمَنتُ
(1/114)
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ}(1) فوجب على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى الخلق جميعاً الإيمان بما أنزل الله من كتاب، وبشر يا أمير المؤمنين يأبى أن يؤمن بذلك أو يقر به أو يصدقه. وسألني بشر عن مسالة ستر الله علمها عن الملائكة، وأهل ولايته جميعاً، وعني وعن بشر وعن سائر الخلق جميعاً، ممن مضى وممن هو آت إلى يوم القيامة فلم يعلمها أحد قبلنا ولا يعلمها أحد بعدنا، فلم يكن لي أن أجيبه عن مسألته، وإنما يدخل النقض علي يا أمير المؤمنين لو كان بشر يعلم ما سألني عنه أو غيره من
__________
(1) سورة الشورى آية 15.
(1/115)
العلماء، وكنت أنا لا أعلمه، فإما إذا اجتمعنا جميعاً أنا وبشر وسائر الخلق في جهل هذه المسألة وقلة العلم بها، فليس الضرر بداخل علي دونه، وهذه مسألة لا يحل أن يسأل عنها، ولا يحل لأحد يجيب فيها لأن الله عز وجل حرم ذلك عليه.
الثوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع


عالم الانستقرام | كاميرات مراقبة | حجر هاشمي | شركة تنظيف خزانات بالمدينة المنورة | بث مباشر مباريات اليوم | شركات نقل عفش بجدة
عروض العثيم عروض بنده
SiteMap || HTML|| RSS2 || RSS || XML || TAGS|| english
الساعة الآن »07:43 PM.
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2017 Jelsoft Enterprises Ltd
 
facebook twetter