شبكة أنصار السنة » صفحة 6
 
 
 
طريقة عرض المواضيع: تاريخ الموضوع | التقييم | الزيارات | التعليقات | أبجدية

لذة العلـم

الكاتب: أنصار السنة | المشاهدة: 99

0

لذة العلم أعظمُ اللَّذات، وشهوته أعظم الشَّهوات، وحلاوته تفوق كل حلاوة، وطعمه يعلو على كل الطعوم، وأصحابه هم المسرُورون وهم الفرحون، وأهله هم المنعمون، فـ "في العِلْم بالأشياء لذَّة لا تُوازيها لذَّة" كذا قال الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات (1/ 67).


ولما كتب العالم الزاهد أبو إسحاق الألبيري رحمه الله قصيدته المشهورة التي يحفز فيها ولده أبا بكر ويحضه على طلب العلم والجد فيه والتزود والنهل منه.. ضمنها محفزات تسمو بالهمة في طلب العلم إلى الثريا، فذكر له فضل العلم وما يكسب صاحبه ثم أخبره بأن للعلم لذة لو ذاق حلاوتها لأنسته كل لذة سواها فقال مما قال:

أبا بــكر دعـــوتك لو أجـــبتا *** إلى ما فيه حظك لو عقلتا

إلى علــم تــكون بـه إمـامـا *** مطاعاً إن نهيت وإن أمرتا

ويجـلو مـا بعينك من غشاهـا *** ويهديك الطرق إذا ضللتا

وتحمل منه في نـاديك تاجــا ***ويكسوك الجمال إذا عريتا

إلى أن قال:

فلـــو قد ذقت من حلــواه طعما * * * لآثرت التعلم واجتهدتا

ولم يشغلك عنه هــوى مطــاعٌ * * * ولا دنيـا بزخرفها فُتنتا

ولا ألهـــاك عنـه أنيــق روضٍ * * * ولا خـدر بزينتها كلفتا

فقوت الروح أرواح المعاني ** وليس بأن طعمت ولا شربتا


وهذا الذي ذكره الألبيري وافقه عليه الإمام ابنُ الجوزيِّ في كتابه الماتع "صيد الخاطر" حيث يقول: "والله ما أعرف مَن عاش رفيعَ القَدْر بالِغًا من اللَّذات ما لَم يبلُغْ غيرُه، إلاَّ العلماء المُخلصين؛ كالحسَن وسفيان، والعُبَّاد المُحقِّقين كمعروف؛ فإنَّ لذة العلم تزيد على كلِّ لذة، .... وكذلك لذة الخلوة والتعبُّد".


وقد شهد لهم بصدق ما قالوه أربابُ العلم، والمُشتَغِلون به؛ فإنما يعرف صدق القوم من جرب فعرف، أو ذاق فاغترف.

يقول شيخ الإسلام أبن تيمية رحمه الله: (ولا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات)[مجموع الفتاوى:14 /162].

ويقول سهل بن عبد الله التستري: (العلم أحد لذات الدنيا، فإذا عمل به صار للآخرة) [اقتضاء العلم العمل: 29].

ويقول الحافظ ابن القيِّم عليه رحمه الله: (وأمّا عُشَّاق العلم فأعظم شغفًا به وعِشقًا له من كلِّ عاشقٍ بمعشوقه، وكثيرٌ منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر).

وقال أيضًا: (ولو صوَّروا العلم صورةً، لكانت أجمل من كلِّ صورة).


وجاء في "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي (10/283)، عن الخليفة المأمون قوله: "لا نُزْهَةَ ألذُّ مِنَ النَّظَرِ فِي عُقُولِ الرِّجَالِ".


وفي أبجد العلوم للأمير صديق حسن خان قوله: "اعلم أن شرف الشيء إما لذاته أو لغيره، والعلم حائز الشرفين جميعا؛ لأنه لذيذ في نفسه فيطلب لذاته، لذيذ لغيره فيطلب لأجله". يعني لأجل المقصود من ورائه.


وفي صيد خاطره يقول ابن الجوزي عن سعادته والتذاذه بطلب العلم: "ولقد كنتُ في حلاوة طلَبِ العلم أَلْقى من الشَّدائد ما هو أحلى عندي من العسَل في سبيل ما أطلبُ وأرجو، وكنتُ في زمن الصِّبا آخذُ معي أرغفةً يابسة، ثم أذهب به في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، ثُم آكل هذا الرَّغيف، وأشرب الماء، فكلَّما أكلتُ لقمةً شربتُ عليها، وعَيْن هِمَّتِي لا تَرى إلا لذَّة تحصيل العلم" [صيد الخاطر:164 ـ165].


ولو ذهبنا لنتكلم عن رحلات العلماء في طلبهم للعلم وكما كابدوا فيه من الويلات، ولاقوا من المهلكات، فقابلوا كل ذلك بالرضا والسعادة، وما أحسوا بوحشة ولا تحدثوا إلا عن الفرحة بالعلم واللذة لطال بنا الحديث جدا.


لذة من جميع الجوانب

ولذة العلم تحف به في كل أحواله طلبا وتحصيلا وفهما وتبليغا: فلا يجد العالم وطالب العلم ومعلمه راحةً ولا أُنسًا ولا لذَّةً ولا نشوةً إلَّا بالعلم وفي العلم، حتى يألف الإنسان فيه الوحدة بلا وحشة، ويفارق لأجل تحصيله الأهل والولد، وينفق من أجله المال والوقت، ويصرف فيه العمر، ويقضي الساعات، وينسى فيه الطعام والشراب مع الجوع والعطش، دون أن تؤزه نفسه عليه أو تشتاق لطلبه؛ كما قال النضر بن شميل: (لا يجد الرجل لذة العلم حتى يجوع وينسى جوعه).

وحتى يأنس بالكتاب ويستوحش من الناس الذين يقطعونه عنه، فلا يجد الإنسان لذة إلا في المطالعة ولا أنسا إلا مع الكتاب.


وجاء في سير أعلام النبلاء للذهبي: "عن نعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟. "يعني يطالع سيرهم ويقرأ عنهم".

قال بعض الحكماء: (من خلا بالعِلم لَم تُوحشه الخَلوة، ومن تسلَّى بالكتب لَم تفُته السَّلوة).


وورد في كشكول ابن عقيل رحمه الله:

أنست بمكتبي ولزمت بيتي .. .. فطاب الأنس لي ونما السرور

وأدبني الزمــان فـلا أبــالي .. .. هجـــرت فــلا أزار ولا أزور


أعظم شهوة

وأما شهوة تحصيل العلم عندهم فقد عبر عنها النوفلي عندما سئل: مَا بلغ بِك من شهوتك للعلم؟ قال: إذا نشطتُ فلذَّتي، وإذا اغتممتُ فسَلوَتي.


ومما يروى عن الشافعي في هذا أنه قيل له: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه من قبل فتود أعضائي أن لها سمعا تتنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان. فقيل له: كيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. قيل: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره".


وجاء في ترجمة الزمخشري المفسر أنه كان ينشد:

سهــري لتنقيح العــلوم ألذ لي *** من وصـل غانية وطيب عناق

وتمــايلي طـربا لحل عويصة *** أشهى وأحلى من مدامة سـاقي

وصرير أقلامي على أوراقها *** أحــلى من الدوكــاء والعشـــاق

وألـذ مــن نـقــر الفــتاة لـدفها *** نقري لألقي الرمـل عن أوراقي


وبلغت لذة تعليم الناس عند ابن الجوزي أنه شبهها بمجالس الجنة وأجوائها فقال:

كم كان لي من مجلس لو شبهت .. أجواؤه لتشبهت بالجنة.


الطبراني والجعابي

ومن أعجب ما روي في نشوة الفرح بالانتصار بالعلم ما ذكره الخطيب البغدادي عن ابن العميد صاحب الوزارتين حيث يقول: «ما كنت أظنُّ أنَّ في الدنيا حلاوةً ألذَّ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها حتى شاهدتُ مذاكرةَ سليمان بن أحمد الطبرانيِّ وأبي بكرٍ الجعابيِّ بحضرتي، فكان الطبراني يغلب الجعابيَّ بكثرة حفظه، وكان الجعابيُّ يغلب الطبرانيَّ بفطنته وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبَه، فقال الجعابيُّ: "عندي حديثٌ ليس في الدنيا إلَّا عندي"، فقال: "هاته"، فقال: "نا أبو خليفة: نا سليمان بن أيُّوب .."، وحدَّث بالحديث، فقال الطبراني: "أنا سليمان بن أيُّوب!، ومنِّي سمع أبو خليفة، فاسمع منِّي حتى يعلوَ إسنادُك، فإنك تروي عن أبي خليفة عنِّي"، فخجل الجعابيُّ وغلبه الطبرانيُّ"، قال ابن العميد: "فوددتُ ـ في مكاني ـ أنَّ الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبرانيَّ، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبرانيُّ لأجل الحديث، أو كما قال" اهـ. (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع٢: ٤١٢).

موضوع: الرئيسية

 

بعد التصويت لمرشحه.. ترامب يفوز بمعركة المحكمة العليا

الكاتب: أنصار السنة | المشاهدة: 65

0

<!--check image 1-->

صوّت مجلس الشيوخ الأميركي السبت بأغلبية ضئيلة لصالح تعيين القاضي بريت كافانو عضوا تاسعا في المحكمة العليا رغم دعاوى الاعتداء الجنسي ضده، وهو ما يشكل نصرا للرئيس دونالد ترامب.


وجرى التصويت في ظل أجواء متوترة، وأيد خمسون عضوا بالمجلس تعيين كافانو في المنصب، في حين عارضه 48 عضوا، وكان من بين المؤيدين عضو ديمقراطي واحد.


وعكس التصويت الانقسام الحزبي الكبير داخل المجلس، وتوقفت الجلسة لفترات متقطعة بعد محاولة عدد من المحتجين تعطيل عملية التصويت، بينما شهد محيط الكونغرس مظاهرة كبيرة مناهضة لتعيين كافانو الذي يواجه مزاعم بالاعتداء الجنسي وسوء السلوك عندما كان شابا.


ولم يكن فوز مرشح ترامب لعضوية المحكمة العليا مضمونا تماما بما أن أربعة أعضاء جمهوريين كانوا مترددين، لكن هؤلاء قرروا في نهاية المطاف التصويت لصالح المرشح المحافظ لعضوية أعلى الهيئات القضائية الأميركية، والتي تبت في قضايا مهمة داخليا مثل الهجرة والإجهاض.


ويعني فوز كافانو بالمنصب أن الكفة في المحكمة ستميل لصالح المحافظين بواقع خمسة مقابل أربعة، ويشغل القضاة في هذه المحكمة مقاعدهم مدى الحياة. وأعلنت المحكمة أن كافانو سيؤدي القسم في وقت لاحق السبت.


وهنأ ترامب في تغريدة على تويتر مجلس الشيوخ بعد تأكيد تعيين مرشحه، وأضاف أنه سيقوم في وقت لاحق السبت بالتوقيع على لجنة التعيين، وأن كافانو سيكون "قاضيا عظيما" في المحكمة العليا، بحسب تعبيره.


وكان الرئيس ترامب ضغط مؤخرا للإسراع في إجراء التصويت على ترشيح القاضي بريت كافانو لعضوية المحكمة العليا، رغم اعتراض الديمقراطيين الذين كانوا يؤكدون على ضرورة استكمال التحقيقات في اتهامات بالاعتداء الجنسي والتحرش وجهتها للقاضي ثلاث نساء.


بيد أن تحقيقا لمكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي (إف بي آي) استغرق بضعة أيام لم يتوصل إلى إثبات تلك الاتهامات، والتي يعود بعضها إلى 36 سنة. كما أن كافانو نفى بشدة خلال جلسة في مجلس الشيوخ الاتهامات الموجهة له، والتي رأى فيها مؤامرة حزبية من قبل اليسار لإبعاده عن منصة المحكمة.

موضوع: الرئيسية

 

يسِّروا ولا تعسِّروا

الكاتب: أنصار السنة | المشاهدة: 82

0

<!--check image 1-->



من مقامات الإيجاز في الكلام مقام الوصية، سيما إن كنت توصي من تودعه، فيكون المتكلم أحوج ما يكون إلى كلمات معدودة الأحرف، كثيرة المعاني، وقد كان صاحب الكمال النبوي من أجمع الناس قولا، وأبلغهم لسانا، يحصي العادُّ كلامَهُ لو أحصاه، لكلامه نور وبهاء، يكتفي بجوامع الكلم عن عريض القول وطويل البيان.



في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثه ومعاذا إلى اليمن، فقال: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا».



وفي صحيح مسلم عن أبي موسى، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره، قال: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا».

 


قال شمس الدين الكرماني: وهذا الحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خير الدنيا والآخرة لأن الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء، فأمر -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير، والإخبار بالسرور، وتحقيقا لكونه رحمة للعالمين في الدارين. أ.هـ


وقال النووي: إنما جمع في الحديث بين الشيء وضده؛ لأنه قد فعلهما في وقتين، فلو اقتصر على «يسروا» لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات وعسَّر في معظم الحالات، فإذا قال «لا تعسروا» انتفى التعسير في جميع الأحوال،

وفي الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف، أي: من غير ضمه إلي التبشير، وفيه تأليف من قرُبَ إسلامه، وترك التشديد عليه، وكذا من تاب عن المعاصي يتلطف بهم، ويدرجون في أنواع الطاعة قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يسَّرتَ على الداخل في الطاعة للدخول فيها سهل الدخول، وكانت عاقبته غالبا التزايد منها، ومتي عَّسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها. أ.هـ


وقال الوزير ابن هبيرة: والمراد التسهيل والتيسير، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يسروا»  فيه إطلاق وتعميم يتناول كل شيء يقبل التعسير، فلم يقصر ذلك على تيسير شيء بعينه، كما أنه لم يقصر النهي عن التعسير في شيء بعينه، فكل شيء يكون فيه الأمر بين أمرين فإن الأحسن بمن يريد توخي أوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختار أيسرهما على أعسرهما. أ.هـ




والشريعة الإسلامية بأحكامها وتكاليفها تنحو للتيسير على المكلف في عباداته ومعاملاته، فمع الضرورات تباح المحظورات، ومع الحاجات ترتفع الكراهات، فمظاهر التيسير أكثر من أن تقع تحت حصر في مثل هذا المقام، فالسفر والمرض والعجز وغيرها من الأبواب المشتملة على الرخص والتسهيلات داخلة في هذا الباب، والمشاق والحرج والعنت مرفوعة عن المكلف في كل الأبواب، فتسقط عن المكلف عبادات كثيرة إن وقع تحت عارض من عوارض الأهلية، فالعاجز عن الصلاة يصليها حسب قدرته، والعاجز عن الصوم يفطر ويقضي، فإن دام عجزه أطعم مسكينا عن كل يوم، والعاجز عن الحج بنفسه ينيب غيره، ومن عجز عنه بماله وبدنه سقط عنه فرض الحج، والجهاد يسقط عن العاجز كالمريض ومن لا يجد ما ينفقه، وهكذا تتلاين الشريعة وتتواءم مع ظروف المكلفين  يسراً وعسرا، وقدرة وعجزا، وغنى وفقرا، ومن تأمل أحكامها وجدها يسراً كلها، وخيراً كلها، وسهولةً كلها.


ولا غرابة أن تكون الشريعة بهذا التيسير والمرونة، فهي إرادة الله بعباده، حيث أراد أن تكون الشريعة مشتملة على اليسر، بعيدة عن التعسير والعنت، فقد قال جل وعلا: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} {البقرة:185}.


فقد يكون للعمل الواحد أكثر من صفة وهيئة، وتتعدد الخيارات في الخير، وتتنوع السنن، فيختار العالم لهم الأيسر عليهم والأقرب لظروفهم وأحوالهم، كما تقول أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنهاـ: «كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما خُيِّرَ بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً». رواه البخاري.


قال ابن عثيمين رحمه الله: فمثلاً إذا كان لك طريقان إلى المسجد أحدهما صعب فيه حصى وأحجار وأشواك والثاني سهل، فالأفضل أن تسلك الأسهل، وإذا كان هناك ماءان وأنت في الشتاء، وكان أحدهما بارداً يؤلمك، والثاني ساخن ترتاح له، فالأفضل أن تستعمل الساخن؛ لأنه أيسر وأسهل، وإذا كان يمكن أن تحج على سيارة أو تحج على بعير والسيارة أسهل، فالحج على السيارة أفضل. أ.هـ





والأمر بالتيسير لا يدخل فيه التفلُّتُ من أحكام الشرع، والتنازل لرغبات الناس بحجة التيسير عليهم وعدم التنفير، بل يكون التيسير فيما لم ينص الشرع على منعه، ومن لزم الشرع فقد يسر ولم يعسر، فالدين -كما هو- يسر لا عسر فيه، واشتمال الأحكام على المشاق المحتملة عادةً لا يتنافى مع التيسير، ويدل لهذا تمام الحديث كما في رواية البخاري حين قال: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا»، قال أبو موسى: يا رسول الله، إنا بأرض يصنع فيها شراب من العسل، يقال له البتع، وشراب من الشعير، يقال له المزر؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كل مسكر حرام».

فمع قوله «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا»، لكنه لما سئل عن شيء محرم وهو النبيذ المسكر قال: «كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ»، فتحريم المحرم لا يتنافى مع التيسير، إذ اليسر والخير في اجتناب المحرم، والعسر والمشقة في ارتكابه وممارسته.


وهذا الخطاب من النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعوثه وأمرائه الذين كان يبعثهم في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله يجب أن يكون أول من يمتثله هم وُرَّاث النبوة من العلماء والدعاة والعاملين لهذا الدين، بحيث يظهرون للناس يسر الدين، ومظاهر الرحمة فيه، ويبشرونهم بفضل الله إن هم لزموه وعملوا به، ويرشدونهم للسبيل الأيسر فيما فيه سعة وفسحة، ولا يشددوا عليهم فيما يسر الله عليهم، ويحصرونهم بالعزائم في كل الأمور.

 

فإن التشديد والتنطع يتولد من قلة العلم وضعف الفهم، حتى ولو كان بدافع الحرص على الخير وتطبيق السنن، "فكم من مريد للخير لم يبلغه"، كما قال ابن مسعود في أثر رواه الدارمي، وخلاصته: أن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- دخل على جماعةٍ من المسلمين في المسجد، فرأى من أمرهم عجباً، حيث توزّعوا حلقاتٍ وفي وسط كلّ واحدةٍ منها رجلٌ يقول لهم سَبِّحُوا مائة، هَلِّلُوا مائة، فيفعلون ذلك، فأنكر عليهم ابن مسعودٍ ما يفعلونه، فقالوا له: والله ما أردنا إلا الخير، فقال لهم: كلمته التي صارت مثلاً: "كم من مريد للخيرِ لم يصبْه".

وقد يحصل هذا لبعض العلماء والفضلاء في بداية أمرهم، فإذا اتسعت علومهم، وتقدمت أعمارهم، اعتذروا عما كانوا عليه من التشديد والتعسير، وحمل الناس على أفهامهم واجتهاداتهم القاصرة.



وقد جاء في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة الله؛ فإن المُنْبَتَّ لا سفرا قطع ، ولا ظهرا أبقى». 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

" والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيُغلب .

وقال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع.



 






 

موضوع: الرئيسية

 

...ثم انظروا...فانظروا...

الكاتب: أنصار السنة | المشاهدة: 125

0

<!--check image 1-->

من النظائر القرآنية التي تستوقف القارئ لكتاب الله الآيات التالية:



قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (الأنعام:11).



قوله سبحانه: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} (النمل: 69).



قوله عز وجل: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} (العنكبوت:20).



قوله عز من قائل: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين} (الروم:42).



يُلاحظ على هذه الآيات أنها اتفقت على الأمر في السير في الأرض، وافترقت في متعلق النظر، فالآية الأولى أمرت بالنظر في عاقبة المكذبين، والثانية أمرت بالنظر في عاقبة المجرمين، والثالثة أمرت بالنظر كيف بدأ الله الخلق الأول ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، والرابعة أمرت بالنظر في عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين. هذا الافتراق الأول في هذه الآيات من جهة تعقيب كل منها على الأمر بالنظر.



أما الافتراق الثاني فهو أن آية الأنعام جاء عطف الأمر بـ (النظر) على الأمر بـ (السير) في الأرض بحرف العطف (ثم) أما الآيات الثلاث الأُخر فقد جاء عطف الأمر بالنظر على الأمر بالسير في الأرض بحرف العطف (الفاء). وهذان الافتراقان يطرحان السؤالين التاليين:



الأول: لماذا افترق متعلق النظر في كل آية من الآيات الأربع؟



الثاني: لماذا عُطف الأمر بالنظر على الأمر بالسير في آية الأنعام بحرف العطف (ثم) في حين أنه عُطف في الآيات الأُخر بحرف العطف (الفاء)؟



أجاب ابن الزبير الغرناطي على السؤال الأول بما حاصله: إنه لما تقدم آية الأنعام قوله تعالى: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} (الأنعام:5) مشيراً إلى أصناف المكذبين من المخاطبين وغيرهم، ثم أشير إليهم بعد في قوله سبحانه: {ألم يروا كم أهكلنا من قبلهم من قرن} (الأنعام:6) وكلهم إنما أُهلك بإعراضه وتعاميه المؤديين إلى تكذيبه، أحيل مَن بعدهم على حال من تقدمهم من المعرضين والمتعامين عن الآيات المذكورة قبل، مع بيان أن تكذيبهم كان السبب في العقوبة التي عوقبوا بها، حيث قال سبحانه: {ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} وتأيد هذا بقوله: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} على أتم مناسبة وأصحها.



أما آية النمل، فمنزلة على ما تقدم من قوله تعالى: {بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون} (النمل:66) وإنكارهم العودة بقولهم: {أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون * لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين} (النمل:67-68) وذلك بعد ما ذكر سبحانه ما بسط لهم من الدلائل الواضحات، وقدم لهم الشواهد البينات، من قوله تعالى: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} (النمل:60) فذكِّروا بما يشاهدونه، ويعلمون أن آلهتهم لا تفعل ذلك، فكانت فعالهم بعد هذا إجراماً وتعامياً عن الاعتبار بما ذُكِّروا به، فقيل لهم: {سيروا في الأرض فانظروا} عواقب أمثالكم من المتعامين عن النظر، ولم يقع قبلُ تفسير صريح وتكذيب، وقد بسط من الاعتبار في هذه الآيات ما لم يُبسط قبل في آية الأنعام، فورد التعقيب هنا بوسمهم بالإجرام، فقيل: {فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} (النمل:69) مناسب لما تقدم من إجرامهم مع الوضوح ومتابعة التذكير وبث البراهين.



وأما آية العنكبوت، فإن الله سبحانه لما قدم ذكر العودة الأخروية بما يقوم مقام الإفصاح في خمسة مواضع من هذه السورة على القرب والاتصال منها، تلك المواضع: قوله تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت} (العنكبوت:5) وقوله سبحانه: {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} (العنكبوت:13) وقوله عز وجل: {واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} (العنكبوت:17) وقوله تعالى: {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين} (العنكبوت:18) وقوله عز وجل: {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير} (العنكبوت:19) ولم يتقدم في السور الأُخر مثل هذا فناسبه إحالتهم وتذكيرهم بالاستدلال بالبدأة على العودة، فقال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} (العنكبوت:20).



وأما آية الروم، فقد تقدم قبلها قوله عز وجل: {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} (الروم:31) وقوله عز من قائل: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} (الروم:54) وقوله سبحانه: {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} (الروم:35) وقوله تعالى: {هل من شركائهم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون} (الروم:40) فلما تقدم ذكر من امتحن بالشرك وسوء عاقبتهم، ولم يتقدم مثل هذا في السور المتقدمة ناسبه ما أعقب به من قوله: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين} فجاء ختام كل آية ما يناسب ما تقدمه من سياق.



أما الجواب عن السؤال الثاني المتعلق بحرف العطف، فحاصله وفق ابن الزبير: أن الآيات التي عُطفت بـ (الفاء) إنما كان الأمر كذلك؛ لأنهم أمروا أن يعقبوا سيرهم بالتدبر والاعتبار، وحصر نظرهم واعتبارهم في المعقب المذكور بعد (الفاء)، ولم تقع إشارة إلى اعتبارهم بغير ذلك. وأما آية الأنعام فإنها افتتحت بذكر خَلْق السماوات والأرض، وجَعْل الظلمات والنور؛ ليُعتبر بذلك، فإنه أعظم مُعْتَبَر وأوسعه، قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} (غافر:57) فكأن الآية في قوة أن لو قيل: سيروا في الأرض فاعتبروا لخالقها، وكيف دحاها لكم، وذللها لسكناكم، وجعل فيها رواسي أن تميد بكم، وفجَّر فيها الأنهار، وغير ذلك من عجائب ما أودع فيها، وكيف جعل السماء سقفاً محفوظاً بغير عماد، وزينها بالنجوم؛ لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، وجعل الشمس والقمر حسباناً وضياء، وزينة للسماء الدنيا، وكيف محا آية الليل لمصلحة العباد، وجعل آية النهار مبصرة إلى ما لا يحصى من منافعها وعجائبها لمن مُنح الاعتبار والافتكار، قال تعالى: {إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين} (الجاثية:3) ثم انظروا عاقبة من كذب ونُبه، فلم يعتبر، فعطف هذا بـ (ثم) المقتضية مهلة الزمان.



وقد أجاب الخطيب الإسكافي عن السؤال الثاني على نحو قريب، فقال ما يفيد: إن قوله: {قل سيروا في الأرض فانظروا} يدل على أن السير يؤدي إلى النظر، فيقع بوقوعه، وليس كذلك العطف بـ (ثم) وذلك أن (الفاء) وقعت في جواب الطلب، ولم تقع فيه (ثم). فقوله في آية الأنعام: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا} لم يجعل (النظر) فيه واقعاً عقيب (السير)، متعلقاً وجوده بوجوده؛ لأنه بَعْث على سير بعد سير، لما تقدم من الآية التي تدل على أنه تعالى حثهم على السير في البلاد، والنظر في منازل أهل الفساد، وأن يستكثروا من ذلك؛ ليروا أثراً بعد أثر، في ديار بعد ديار، قد عمم أهلها بدمار، فقال تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} (الأنعام:6)، ثم قال: {فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} (الأنعام:6) فذكر في قوله: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي: قروناً كثيرة أهلكناهم، ثم قال: {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد ومشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب أزمنة كثيرة ومدد طويلة، تمنع النظر من مصاحبة السير، كما قال في المواضع الأُخر، التي عطفها بـ (الفاء) لما قصد فيها من معنى التعقيب، واتصال النظر بالسير؛ إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملت فيها (الفاء) ما في هذا المكان من الحث على السير في الديار، وتأمل الآثار، فجعل السير في الأرض في هذا المكان مأموراً به على حدة، والنظر بعده مأموراً به على حدة، وسائر الأماكن التي عُطفت بـ (الفاء) علق فيها وقوع النظر بوقوع السير؛ لأنه لم يتقدم الآية ما يحث على السير، الذي حث عليه فيما قبل هذه الآية؛ فلذلك عُطفت بـ (ثم) التي تفيد تراخي المهلة بين الفعلين.



وقد أجاب ابن جماعة في "كشف المعاني في المتشابه من المثاني" عن السؤالين باختصار شديد، فقال ما حاصله: إن آية الأنعام ظاهرة في الأمر بالسير في بلاد المهلكين، فناسب (ثم) المرتبة على السير المأمور به. وفي المواضع الأُخر: الأمر بالنظر بعد السير المتقدم، كقوله تعالى: {أولم يسيروا في الأرض} فناسب أن يأتي بـ (الفاء) كأنه قيل: "قد ساروا، فلينظروا، أو: قد ساروا، فنظروا عند سيرهم". ولما تقدم في الأنعام قوله تعالى: {فقد كذبوا بالحق} (الأنعام:5) ناسب قوله: {عاقبة المكذبين} (الأنعام:11) ولم يتقدم مثله في المواضع التي عُطفت بـ (الفاء).



ومحصَّل الجوابين: أن الافتراق بين هذه الآيات مرده إلى السياق التي وردت فيه كل آية. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

موضوع: الرئيسية

 

عَمِل قلِيلاً وأُجِرَ كثِيرا

الكاتب: أنصار السنة | المشاهدة: 99

0

<!--check image 1-->

يُبعث الإنسان على ما مات عليه، فمن مات على عملٍ صالح بُعِث عليه، وكان علامة على حسن خاتمته، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: (يُبعَثُ كُل عبدٍ على ما مات عليه) رواه مسلم. قال النووي: "قال العلماء معناه يُبعث على الحالة التي مات عليها". ولا أفضل، ولا أعظم من أن يموت المسلم شهيداً في سبيل الله، فعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للشهيد عند الله سبع خصال: يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُحَلَّى حلة الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته) رواه أحمد وابن ماجه .

وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بالجنة، رغم أنه لم يمر على إسلامهم إلا بضع ساعات، جاهدوا فيها في سبيل الله، وشاركوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتاله للكفار، فقُتِلوا ورزقهم الله الشهادة في سبيله، وصدق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم: (عَمِل قَليلاً وأُجِرَ كَثِيراً).والأمثلة الدالة على ذلك من السيرة النبوية كثيرة، ومنها :



1 ـ عمرو بن ثابت بن أقيش الأنصاري رضي الله عنه، المعروف بأصيرم بني عبد الأشهل، تأخر إِسلامه إِلى يوم أحد، فأسلم يومئذ، قال ابن الأثير: "عمرو بن ثابت بن وَقْش بن زُغْبة بن زعوراء بن عبد الأشْهَل الأنصاري الأوسي الأشهلي وهو أخو سلمة بن ثابت، وابن عمِّ عباد بن بِشْر، ويعرف عمرو بأصيرم بني عبد الأشهل، وهو ابن أخت حذيفة بن اليمان، استشهد يوم أحد، وهو الذي قيل: إنه دخل الجنة ولم يُصلِّ صلاة". عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن عمرو بن أُقَيْشٍ كان له رِباً في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يومُ أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأُحُد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، فلبس لأمتَهُ وركب فرسه ثم توجه قِبَلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: إني آمنت، فقاتل حتى جُرِح، فحُمِل إلى أهله جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته: سليه حمية لقومك، أو غضباً لهم، أمْ غضباً لله؟ فقال: بل غضباً لله ورسوله، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة) رواه أبو داود وصححه الألباني.

وذكر ابن حجر في كتابه الإصابة في معرفة حياة الصحابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: (حدثوني (أخبروني) عن رجل دخل الجنة لم يُصل قط، فإذا لم يعرفه الناس، سألوه: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل، عمرو بن ثابت بن وقش، قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بدا له الإسلام، فأسلم، فأخذ سيفه، فغدا حتى أتى القوم، فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، قال: فبينما رجال بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة، إذا هم به، فقالوا: والله، إن هذا للأصيرم، وما جاء به؟! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه: ما جاء به؟ قالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحرْبَاً على قومك، أو رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، وأسلمت، ثم أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، قال: ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه لمن أهل الجنة)".



2 ـ عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: (أتى النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلّم رجل مُقنّع (مغطى الوجه بالحديد) بالحديد، فقال: يا رسول الله، أقاتل أوْ أُسلم؟ قال: أسْلِم ثمّ قاتل، فأسلم ثم قاتل فقُتِل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمل قليلا وأُجِرَ كثيراً) رواه البخاري.

قال ابن حجر: "قوله: "(أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل) لم أقف على اسمه، ووقع عند مسلم من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق أنه من الأنصار ثم من بني النبيت بفتح النون وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة فوق، ولولا ذلك لأمكن تفسيره بعمرو بن ثابت بن وقش بفتح الواو والقاف بعدها معجمة، وهو المعروف بأصيرم بن عبد الأشهل، فإن بني عبد الأشهل بطن من الأنصار من الأوس وهم غير بني النبيت".

وفي هذا الحديث أن الأجر الكثير قد يحصل بالعمل اليسير فضلاً من الله وإحساناً، كما فيه: أن الأعمال بالخواتيم.

وفي كتاب الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري: "العمل القليل: هو الإسلام قبل القتال، والأجر الكثير: النعيم الدائم، ومنازل الشهداء".

وقال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري: "قال المهلب: فى هذا الحديث دليل أن الله يعطى الثواب الجزيل على العمل اليسير تفضلاً منه على عباده، فاستحق هذا نعيم الأبد فى الجنة بإسلامه، وإن كان عمله قليلا، لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمناً طول حياته فنفعته نيته، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد فى النار، لأنه انضاف إلى كفره اعتقاده أنه يكون كافراً طول حياته، لأن الأعمال بالنيات".

وقال ابن عثيمين: "وفي هذا الحديث: أن الجهاد بدون إسلام لا ينفع صاحبه، لأن الرجل الذي استأذن من النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أجاهد ثم أُسْلِم، أمْ أُسْلِم ثم أجاهد؟ قال: أَسْلِم ثم جاهد، فأسلم ثم جاهد، وهكذا جميع الأعمال الصالحة يشترط فيها الإسلام".



3 ـ الراعي الأسود في غزوة خيبر :



أسلم راعي غنم وبمجرد إسلامه قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فقُتِل شهيداً ولم يركع لله ركعة، قال عنه ابن الأثير: "يسار الحبشي كان عبداً ليهودي اسمه عامر، فأسلم لمَّا حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، واستُشْهِد عليها. سماه الواقدييساراً، وسماه ابن إسحاق : أسْلَم، قاله أبو عمر. وقال أبو نعيم: اسمه يسار، كانَ عبداً لعامر اليهودي".

وأما قصة استشهاده فقد رواها ابن هشام في السيرة النبوية، والبيهقي في دلائل النبوة، والذهبي في تاريخ الإسلام، وذكرها ابن القيم في كتابه زاد المعاد، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، خرجت سرية فأخذوا إنساناً معه غنم يرعاها، فجاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يكلمه به، فقال له الرجل: إني قد آمنتُ بك وبما جئتَ به، فكيف بالغنم يا رسول الله! فإنها أمانة، وهي للناس الشاة والشاتان وأكثر من ذلك؟ قال: أحْصِب وجوهها (ارمها بحصيات صغيرة) ترجع إلى أهلها . فأخذ قبضة من حصباء أو تراب فرمى به وجوهها، فخرجت تشتد حتى دخلت كل شاة إلى أهلها، ثم تقدم إلى الصف فأصابه سهم فقتله ولم يُصَلّ لله سجدة قط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدخلوه الخباء، فأدخل خباء رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه ثم خرج، فقال: لقد حَسُن إسلام صاحبكم، لقد دخلت عليه وإن عنده لزوجتين له من الحور العين).



من دروس السيرة النبوية التي تعلمها الصحابة الكرام والمسلمون من بعدهم: عظم منزلة الشهيد في الإسلام، وأن الناس في خواتيم حياتهم بين عبْدٍ يُخْتم له بخير، وآخر يُختم له بشر، فهنيئا ثم هنيئاً لمن خُتِم له بالموت في سبيل الله، فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وإن كان عمله قليلا .. فعلى المسلم أن يدعو الله دائماً بحُسْن الخاتمة، ويعمل بالأسباب التي توصل إليها، وأن يستعيذ بالله دائما من سوء الخاتمة، ويبتعد عن جميع الأسباب التي تؤدي لها.

موضوع: الرئيسية

 
  
 
sitemap | Html | TXT | MAP| MAP2
تطوير الموقع