المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نَحنُ و الحياةُ آلدُّنيا


معاوية فهمي إبراهيم مصطفى
2024-05-05, 01:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:ـــ
((نَحنُ والحياةُ آلدُّنيا))

الحمدُ للهِ وحدهُ، والصّلاةُ والسّلام على من لا نبيَّ بعدهُ، سيّدنا و نبيِّنا و شفِيعنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ ومن إهتدى بهديهِ وإقتدى بأثرهِ إلى يومِ الدين، وبعد:
نَعيشُ حياتنا على هذهِ الأرض ضِمن مصطلحٍ عام يشملُ كافة الأفرادِ والفعاليات والمُمتلكات والقوانين والمخلوقات، والمصطلح الذي أقصدهُ هو ( هذهِ الحياةُ آلدُّنيا)، وكلُ المفرداتِ التي ذكرتُها هي جزءٌ منها، وتتباين نظرةُ الناسِ لهذهِ الدنيا؛ فمنهم مَن يُدمِّر نفسهُ وحياتهِ مثلما يدمِّر غيرهُ من أجلها بِتصنُّعهِ بما ليس هو على حقيقتهِ، ومنهم من يَرى أنها لا قيمة لها ولا معنى، وما هي إلا جِسرٌ يُعبْرُ من خلالهِ إلى هدفهِ، وهؤلاء أقلَّة، ومنهم من يُحمِّل الدنيا أسباب كل ما يجري من أشياءٍ سيئة وسلبية في حياته.

ويكبر الإنسان ويشيب شعُر رأسهِ ويتساقط، وتتجعد صفحات وجهه، وتشيخ أعضاؤهُ، وتترهل طبقاتُ جلده، وتتساقط أسنانهُ، ويخفت بريقُ عينيهِ، ويُحدَّبُ ظهرهُ، ويُلحبُ جنباه، وتَخُورُ قُواهُ، ولكِنَّهُ يبقى شابًّا في أمرين يطلبهما، هما حُبُ الدنيا والتشَّبتُ بها، والأملُ بطولِ عُمرٍ في هذهِ الحياةِ الدُنيا، يقول رسول الله مُحمدٌ صلَّ الله عليه وسلَّم: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ".

ومن أجلِ أن نضع معيارًا لنحكم على هذه الدنيا التي نعيشها، لا بُدَّ من تفسيرها أولًا، فالفعل الماضي للدنيا هو (دنا) وللمؤنث (دنتْ)، فيُطلق على حياتنا التي نعيشها (الحياة الدنيا)، ولقد جاء في قواميس اللغةِ العربية عن مصطلح الدنيا المعاني الآتية:

• دَنَا يَدْنو؛ فهو دانٍ: قَرُبَ، وسُمِّيتِ الدنْيَا؛ لأنَّها دَنَتْ، والنِّسْبَةُ إليها دُنْيَاوِي ودُنْيي ودُنْيَوِي].

• دَنُؤَ يَدْنُؤُ دَناءةً، فهو دَنيءٌ؛ أي: حقيرٌ قريبٌ من اللُّؤْم، والدُّنُوُّ، غير مهموز، دَنَا فهو دانٍ ودَنيٌّ، وسُمِّيَت الدُّنيا؛ لأنَّها دَنَتْ وتأخَرَّتِ الآخِرةُ، وكذلك السَّماءُ الدُّنيا هي القُرْبَى إلينا، والأجلة: الآخرة، والعاجلة: الدُّنيا.

• ويقالُ للرجل إذا طَلبَ أمرًا خسيسًا حقيرًا: قد دنَّى يُدَنِّي تدنيةً، وقال الليث: الدُّنُوُّ غيرُ مهموز مصدر دنا يدنو، فهو دانٍ، وسميت الدنيا؛ لأنها دَنَتْ.

فالدنيا إذًا: إمَّا هي القريبة الأجل؛ أي: إنها قصيرةُ الأمدِ ستنقضي وتذهب بسرعة، أو إنها قريبة مَّا قُربًا مكانيًّا على أساس أننا نعيش فيها وعلى أرضها، أو إنها قريبةٌ في متناولِ اليد، أو هي واطئةُ المكانة.

(دنيَّة) أو (دنيئة) بمعنى حقيرة لا قِيمةَ لها، وأيًّا كان المعنى، فالأمر واضح فيها وجلِّي، فهي أمد وليس أبدًا، نحنُ نعيشها لنقدم ما نستطيع وصولًا إلى الحياة (الآخرة) التي هي أبدية.

وأحق و أجمل ما قِيلَ في وصفِ هذهِ الحياةِ الدُنيا، قولُ بديعها الله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٢].

من خلالِ هذهِ القراءة نَصِل إلى أنَّ ما نحققهُ في الدنيا من إنجازاتٍ يكونُ على نوعين:

(١)إنجازات مادية وإجتماعية:

وهي متعلقةٌ بتحقيق طموحاتٍ من أجل (الحياة الدنيا) فقط، كما يحصل في القِسم الأعظم من الناس، وتكون هذهِ الإنجازات في الغالب على حساب الآخرين من إحتيال عليهم بلباسٍ ليس لهم فيهِ إلاَّ المظهر الخارجي للخداع و التمثيل على الناس ليحصل على مأربسٍ الدنيوية، أو من كان تاجرًا كبيرًا، وحقَقَ أرباحًا هائلة، شغَّل من خلالها واستغل جمعًا غفيرًا من الناس بأجورٍ غير منصفة، ولم يُقدم شيئًا من أموالهِ في أعمالِ الخيرِ والبر، والأمر ينطبق على الطبيب والمهندس وغيرهما، وهذا النوع من الإنجازات لا قيمة لها مهما كانت قيمتها وحجمها في الدنيا بل الحسرة عليهم.

ومن يُجازى بشيءٍ من أمورِ هذه الدنيا، ستكون على حسابِ ما في الآخرة من جزاء؛ يقول الله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: ٢٠]، ويقول رسول الله محمد صلَّ الله عليه وسلَّم: "لو كانت الدنيا تَزِنُ عند الله جناح بعوضة، ما أعطى كافرًا منها شربة ماء".

وجودنا في الدنيا ليس من أجلِ التكاثُرِ والسباق المادي والإجتماعي والوظيفي، بل من أجل أمرٍ آخر أسمى وأرفع من ذلك، ومن سعى لهذا النوع من الإنجاز، فإنَّما يدمر حياتهُ من حيث يشعر أو لا يشعر؛ يقول النبي محمد صلَّ الله عليه وسلَّم: "ما ذئبان ضاريان جائعانِ في غنمٍ، فرقت أحدهما في أولها والآخر في آخرها، بأسرع فسادًا من إمرئ يحبُّ شرف الدنيا ومالَها في دينه".

والنفسُ تُريدُ الدنيا وتطلبها، ولكن العاقل من يُصارعها ويمنعها عن المحذور؛ يقول الشاعر:

والنَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلهُ شَبَّ ... عَلَى حُبِّ الرِّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّة لِلْمَرْءِ قاتِلَةً ...مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

وخالِفِ النَّفْسَ والشَّيْطَانَ وإعْصِهِمِا ...وإنْ هُمَا مَحضاكَ النُّصْحَ فاتَّهِمِ .

فمن الخطأ الفادح أن يقضي الفرد حياتهُ الدنيا من أجلِ هذهِ الإنجازاتِ فقط، فنجدهُ مهتمًّا بملبسهِ وملبس أولاده، وأكلهم، وسكنهم، ودخلهم المادي، ومستقبلهم، والأثاث، والبناء، والسيارة، ويحرص أشدَّ الحرص على أن تكونَ هذهِ الأشياء من أفخرِ وأجودِ الأنواع وأغلاها وأشهرها.

إن نتائج هذه الممارسات ستكون الهلاك؛ يقول رسول الله صلَّ الله عليه وسلَّم: "فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" .

فالتنافس من أجلِ مفرداتِ الدُنيا بعينها، وما فيها من ملذاتٍ وشهوات، إنما هي مهلكةٌ، والتاريخ يؤكد ذلك، وتلك حقيقة يؤكدها رسول الله صلَّ الله عليه وسلَم بقوله: (من كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمرهِ، وجعل فقره بين عينيهِ، ولم يأتهِ من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّته، جمعَ اللهُ لهُ أمرهُ، وجعل غناهُ في قلبهِ، وأتتُه الدنيا وهي راغمة).

(٢)إنجازات من نفس النوع
ولكنها متعلقةٌ بتحقيق طموحات وأهداف من أجل (الحياة الآخرة)، وهذا هو الفهم المطلوب من ِقبلِ الأفراد، وتصبُّ هذهِ الإنجازات في العادة في مصلحة الفرد، مثلما تصبُ في مصلحة الآخرين على حدٍ سواء، وهذا النوع في حقيقته يحقق الأمرين، وأعني أنه يحقق إنجازات تنفع في الدنيا وأخرى من أجل الآخرة.

وإنَّ هذا النوع يتحقق عندما يكون عمل الفرد من أجل الله تعالى، فهو يعمل الأشياء الحسنة بما فيها كسب بعض الأمور والامتيازات في الدنيا، من أجل أن الله تعالى أمر بذلك، أو من أجل أن الله تعالى يحب ذلك العمل؛ قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص].
أجل الحياة الآخرة، وهذا ما يسعى له الفرد، ولقدَ ضربَ الله تعالى مثلًا رائعًا عن الدنيا في سورة الكهف؛ حيث يقول الله تعالى:﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف٤٥].


ونقف عند هذ المثل العجيب المُعجز، فاختيار الماء فيه اعتبارات نوجزها بقول شمس الدين القرطبي في تفسيره: (وقالت الحكماء: إنما شَبَّه تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء:

• لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد.

• ولأن الماء لا يستقيم على حالةٍ واحدة كذلك الدنيا.

• ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى.

• ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخلهُ ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلَم أحٌد دخلها من فتنتها وآفتها.

• ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعًا منبتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضارًّا مهلكًا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضرُّ).

وما زلنا في المثل الذي ضربهُ اللهُ تعالى للدنيا، فحين يُؤخذ المثل كاملًا، فإن مفهوم الآية يكون: "أن الله تعالى يقول لنبيهِ صلَّ الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا؛ ليتصوروها حقَّ التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار، وأن مثل هذه الحياة الدنيا كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينما زهرتها وزُخرفها تسر الناظرين، وتُفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيمًا تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابًا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أُعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصَّل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارَها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سرورُه، وزالت لذتُه وحُبورُه، واستوحش قلبُه من الآلام، وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالحِ أو سيئ أعماله، هنالك يعضُّ الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العودة إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات، فالعاقل الحازم الموفق، يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه:

• قدِّري أنك قد مُتِّ، ولا بد أن تموتي،

• فأيُّ الحالتينِ تختارين؟

• الإغترار بزخرفِ هذهِ الدار، والتمتعِ بِها كتمتُّعِ الأنعام السارحة؟ أم العملُ لدار أُكلها وظُلُّها دائمٌ، وفيها ما تشتهيهِ الأنفسُ وتلذُ الأعين؟
فَبِهذا يُعرَفُ توفيقُ العبد مِن خِذلانهِ، ورِبحهِ من خسـرانهِ".
إعداد و تحضير الفقير إلى رحمةِ الله ،
أخيكم في الله: معاوية فهمي.
§§§§§§§§§§§§§§

الرياض5
2024-05-08, 03:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:ـــ
((نَحنُ والحياةُ آلدُّنيا))

الحمدُ للهِ وحدهُ، والصّلاةُ والسّلام على من لا نبيَّ بعدهُ، سيّدنا و نبيِّنا و شفِيعنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ ومن إهتدى بهديهِ وإقتدى بأثرهِ إلى يومِ الدين، وبعد:
نَعيشُ حياتنا على هذهِ الأرض ضِمن مصطلحٍ عام يشملُ كافة الأفرادِ والفعاليات والمُمتلكات والقوانين والمخلوقات، والمصطلح الذي أقصدهُ هو ( هذهِ الحياةُ آلدُّنيا)، وكلُ المفرداتِ التي ذكرتُها هي جزءٌ منها، وتتباين نظرةُ الناسِ لهذهِ الدنيا؛ فمنهم مَن يُدمِّر نفسهُ وحياتهِ مثلما يدمِّر غيرهُ من أجلها بِتصنُّعهِ بما ليس هو على حقيقتهِ، ومنهم من يَرى أنها لا قيمة لها ولا معنى، وما هي إلا جِسرٌ يُعبْرُ من خلالهِ إلى هدفهِ، وهؤلاء أقلَّة، ومنهم من يُحمِّل الدنيا أسباب كل ما يجري من أشياءٍ سيئة وسلبية في حياته.

ويكبر الإنسان ويشيب شعُر رأسهِ ويتساقط، وتتجعد صفحات وجهه، وتشيخ أعضاؤهُ، وتترهل طبقاتُ جلده، وتتساقط أسنانهُ، ويخفت بريقُ عينيهِ، ويُحدَّبُ ظهرهُ، ويُلحبُ جنباه، وتَخُورُ قُواهُ، ولكِنَّهُ يبقى شابًّا في أمرين يطلبهما، هما حُبُ الدنيا والتشَّبتُ بها، والأملُ بطولِ عُمرٍ في هذهِ الحياةِ الدُنيا، يقول رسول الله مُحمدٌ صلَّ الله عليه وسلَّم: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ".

ومن أجلِ أن نضع معيارًا لنحكم على هذه الدنيا التي نعيشها، لا بُدَّ من تفسيرها أولًا، فالفعل الماضي للدنيا هو (دنا) وللمؤنث (دنتْ)، فيُطلق على حياتنا التي نعيشها (الحياة الدنيا)، ولقد جاء في قواميس اللغةِ العربية عن مصطلح الدنيا المعاني الآتية:

• دَنَا يَدْنو؛ فهو دانٍ: قَرُبَ، وسُمِّيتِ الدنْيَا؛ لأنَّها دَنَتْ، والنِّسْبَةُ إليها دُنْيَاوِي ودُنْيي ودُنْيَوِي].

• دَنُؤَ يَدْنُؤُ دَناءةً، فهو دَنيءٌ؛ أي: حقيرٌ قريبٌ من اللُّؤْم، والدُّنُوُّ، غير مهموز، دَنَا فهو دانٍ ودَنيٌّ، وسُمِّيَت الدُّنيا؛ لأنَّها دَنَتْ وتأخَرَّتِ الآخِرةُ، وكذلك السَّماءُ الدُّنيا هي القُرْبَى إلينا، والأجلة: الآخرة، والعاجلة: الدُّنيا.

• ويقالُ للرجل إذا طَلبَ أمرًا خسيسًا حقيرًا: قد دنَّى يُدَنِّي تدنيةً، وقال الليث: الدُّنُوُّ غيرُ مهموز مصدر دنا يدنو، فهو دانٍ، وسميت الدنيا؛ لأنها دَنَتْ.

فالدنيا إذًا: إمَّا هي القريبة الأجل؛ أي: إنها قصيرةُ الأمدِ ستنقضي وتذهب بسرعة، أو إنها قريبة مَّا قُربًا مكانيًّا على أساس أننا نعيش فيها وعلى أرضها، أو إنها قريبةٌ في متناولِ اليد، أو هي واطئةُ المكانة.

(دنيَّة) أو (دنيئة) بمعنى حقيرة لا قِيمةَ لها، وأيًّا كان المعنى، فالأمر واضح فيها وجلِّي، فهي أمد وليس أبدًا، نحنُ نعيشها لنقدم ما نستطيع وصولًا إلى الحياة (الآخرة) التي هي أبدية.

وأحق و أجمل ما قِيلَ في وصفِ هذهِ الحياةِ الدُنيا، قولُ بديعها الله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٢].

من خلالِ هذهِ القراءة نَصِل إلى أنَّ ما نحققهُ في الدنيا من إنجازاتٍ يكونُ على نوعين:

(١)إنجازات مادية وإجتماعية:

وهي متعلقةٌ بتحقيق طموحاتٍ من أجل (الحياة الدنيا) فقط، كما يحصل في القِسم الأعظم من الناس، وتكون هذهِ الإنجازات في الغالب على حساب الآخرين من إحتيال عليهم بلباسٍ ليس لهم فيهِ إلاَّ المظهر الخارجي للخداع و التمثيل على الناس ليحصل على مأربسٍ الدنيوية، أو من كان تاجرًا كبيرًا، وحقَقَ أرباحًا هائلة، شغَّل من خلالها واستغل جمعًا غفيرًا من الناس بأجورٍ غير منصفة، ولم يُقدم شيئًا من أموالهِ في أعمالِ الخيرِ والبر، والأمر ينطبق على الطبيب والمهندس وغيرهما، وهذا النوع من الإنجازات لا قيمة لها مهما كانت قيمتها وحجمها في الدنيا بل الحسرة عليهم.

ومن يُجازى بشيءٍ من أمورِ هذه الدنيا، ستكون على حسابِ ما في الآخرة من جزاء؛ يقول الله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: ٢٠]، ويقول رسول الله محمد صلَّ الله عليه وسلَّم: "لو كانت الدنيا تَزِنُ عند الله جناح بعوضة، ما أعطى كافرًا منها شربة ماء".

وجودنا في الدنيا ليس من أجلِ التكاثُرِ والسباق المادي والإجتماعي والوظيفي، بل من أجل أمرٍ آخر أسمى وأرفع من ذلك، ومن سعى لهذا النوع من الإنجاز، فإنَّما يدمر حياتهُ من حيث يشعر أو لا يشعر؛ يقول النبي محمد صلَّ الله عليه وسلَّم: "ما ذئبان ضاريان جائعانِ في غنمٍ، فرقت أحدهما في أولها والآخر في آخرها، بأسرع فسادًا من إمرئ يحبُّ شرف الدنيا ومالَها في دينه".

والنفسُ تُريدُ الدنيا وتطلبها، ولكن العاقل من يُصارعها ويمنعها عن المحذور؛ يقول الشاعر:

والنَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلهُ شَبَّ ... عَلَى حُبِّ الرِّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّة لِلْمَرْءِ قاتِلَةً ...مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

وخالِفِ النَّفْسَ والشَّيْطَانَ وإعْصِهِمِا ...وإنْ هُمَا مَحضاكَ النُّصْحَ فاتَّهِمِ .

فمن الخطأ الفادح أن يقضي الفرد حياتهُ الدنيا من أجلِ هذهِ الإنجازاتِ فقط، فنجدهُ مهتمًّا بملبسهِ وملبس أولاده، وأكلهم، وسكنهم، ودخلهم المادي، ومستقبلهم، والأثاث، والبناء، والسيارة، ويحرص أشدَّ الحرص على أن تكونَ هذهِ الأشياء من أفخرِ وأجودِ الأنواع وأغلاها وأشهرها.

إن نتائج هذه الممارسات ستكون الهلاك؛ يقول رسول الله صلَّ الله عليه وسلَّم: "فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" .

فالتنافس من أجلِ مفرداتِ الدُنيا بعينها، وما فيها من ملذاتٍ وشهوات، إنما هي مهلكةٌ، والتاريخ يؤكد ذلك، وتلك حقيقة يؤكدها رسول الله صلَّ الله عليه وسلَم بقوله: (من كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمرهِ، وجعل فقره بين عينيهِ، ولم يأتهِ من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّته، جمعَ اللهُ لهُ أمرهُ، وجعل غناهُ في قلبهِ، وأتتُه الدنيا وهي راغمة).

(٢)إنجازات من نفس النوع
ولكنها متعلقةٌ بتحقيق طموحات وأهداف من أجل (الحياة الآخرة)، وهذا هو الفهم المطلوب من ِقبلِ الأفراد، وتصبُّ هذهِ الإنجازات في العادة في مصلحة الفرد، مثلما تصبُ في مصلحة الآخرين على حدٍ سواء، وهذا النوع في حقيقته يحقق الأمرين، وأعني أنه يحقق إنجازات تنفع في الدنيا وأخرى من أجل الآخرة.

وإنَّ هذا النوع يتحقق عندما يكون عمل الفرد من أجل الله تعالى، فهو يعمل الأشياء الحسنة بما فيها كسب بعض الأمور والامتيازات في الدنيا، من أجل أن الله تعالى أمر بذلك، أو من أجل أن الله تعالى يحب ذلك العمل؛ قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص].
أجل الحياة الآخرة، وهذا ما يسعى له الفرد، ولقدَ ضربَ الله تعالى مثلًا رائعًا عن الدنيا في سورة الكهف؛ حيث يقول الله تعالى:﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف٤٥].


ونقف عند هذ المثل العجيب المُعجز، فاختيار الماء فيه اعتبارات نوجزها بقول شمس الدين القرطبي في تفسيره: (وقالت الحكماء: إنما شَبَّه تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء:

• لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد.

• ولأن الماء لا يستقيم على حالةٍ واحدة كذلك الدنيا.

• ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى.

• ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخلهُ ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلَم أحٌد دخلها من فتنتها وآفتها.

• ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعًا منبتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضارًّا مهلكًا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضرُّ).

وما زلنا في المثل الذي ضربهُ اللهُ تعالى للدنيا، فحين يُؤخذ المثل كاملًا، فإن مفهوم الآية يكون: "أن الله تعالى يقول لنبيهِ صلَّ الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا؛ ليتصوروها حقَّ التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار، وأن مثل هذه الحياة الدنيا كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينما زهرتها وزُخرفها تسر الناظرين، وتُفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيمًا تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابًا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أُعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصَّل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارَها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سرورُه، وزالت لذتُه وحُبورُه، واستوحش قلبُه من الآلام، وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالحِ أو سيئ أعماله، هنالك يعضُّ الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العودة إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات، فالعاقل الحازم الموفق، يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه:

• قدِّري أنك قد مُتِّ، ولا بد أن تموتي،

• فأيُّ الحالتينِ تختارين؟

• الإغترار بزخرفِ هذهِ الدار، والتمتعِ بِها كتمتُّعِ الأنعام السارحة؟ أم العملُ لدار أُكلها وظُلُّها دائمٌ، وفيها ما تشتهيهِ الأنفسُ وتلذُ الأعين؟
فَبِهذا يُعرَفُ توفيقُ العبد مِن خِذلانهِ، ورِبحهِ من خسـرانهِ".
إعداد و تحضير الفقير إلى رحمةِ الله ،
أخيكم في الله: معاوية فهمي.
§§§§§§§§§§§§§§
أشكرك على مشاركتك القيّمة والتذكير بالأمور الهامة في الحياة. نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين له والمتعلمين من عبر الحياة. جزاك الله خيراً وجعله في ميزان حسناتك