المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فَضلُ محبَّةِ الحبيب صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم


معاوية فهمي إبراهيم مصطفى
2024-06-06, 01:42 PM
بِسمٍ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم
السلام عليكم و رحمةُ اللهِ و بركاتهُ:ـــ
[ فَضلُ محبَّةِ الحبيب صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم ]
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلام على رسولِ الله، وأشهدُ أنَّ لا إله إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريك لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسوله، وبعد:
إنَّ فضلُ محبةِ الحبيبِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم يَتمثلْ بمتعةٍ عظيمة الشأن لهذهِ العاطفة وأثرُها على العبدِ المُسلم، فيطيبُ الحديثُ لذِكرهِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم ويتسع الإدراك لفضلهِ ويخفقُ القلبُ بما يُسعدِ الروح من مشاعر، كما تنتفع الجوارح للاقتداءِ بحالهِ صَلَّ اللهُ عليهِ و سَلَّم وبهديهِ.

كماعَرّفَ إبن القيَّم الجوزي رحمهُ الله المحبة بأنَّها العاطفة صعبة الوصف التي تُنتجها النفس، ولها خصائِص كالتلذذْ باستيعابِ ما نُحبُ كما لها أنواع فهي إِمَّا فِطرية ناجمة عن ميلِ الإنسان لما يستهويهِ أو عقليةٌ كانجرافهِ وراء خِصال مُحددة فيما يُحب، لتكونَ المحبة شعور مُنبعث تعبيراً الشكر والحمد.

وقد أكدَّ الإمام النووي رحمهُ الله أنما سلف من الشرح متاح بِحبِّ المُسلم للرسولِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم لِمَا لديهِ من خصالٍ حميدة وجلال لشأنهِ ولفضلِ هدايتهُ لنا وإرشادنا إلى طريقِ النجاةِ من الجحيمِ وحفظِ نِعمِ اللهِ علينا، ففيه صَلَّ اللهُ عليهِ و سَلَّم جمالُ الهيئةِ والخُلقِ والكمالِ بعد الله والأفضال التي مَنَّ علينا بها كأتباعهِ لأمتهِ.

الحري لمحبتنا النبيِّ صَلَّ اللهُ عليهِ و سَلَّم أن تنبع من النفسِ والقلب، وأن تُعبر عنها الجوارح بصدق، ولا بُدَّ من الاعتقادِ بها يقيناً وعلماً، وتغذيتها بدوام المحبةِ لسماعِ سيرة النبيّ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم وتتبُع هُداهُ، لِما في ذلكَ من خيرٍ وثوابٍ، كما يجبُ أن تكونَ على أحسنِ حالٍ من المحبةِ وأصدقِ المشاعر في الوصالِ للنبيّ الأكرم لنتمكنَ من تأديةِ القليلِ من حقِ رسولِ اللهِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم على العباد، كما أن هذه العلامات تتشابه مع علامات محبة الله للعبد.
ثمار ونتائج محبة الرسول صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم.
تحقق الإيمان.
المحبة سبيل رفقة رسول الله صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم بالجَنَّة.
صلاح الحال وتفريجِ الهُموم والمغفرةِ من الذنوبِ و السكينة بالنفس،

إنَّ محبةِ اللهِ تعالى والنبيّ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم من الأسُسِ التي يرتكز عليها الإيمان فهيَ جُزءٌ من رُكنِ التوحيد، إذ إنَّ شهادةَ لا إِلهَ إلاَّ الله والإِعتقاد بأنَّ محمداً رسولُ الله تبدأ من محبتهما، وتنعكس على المُسلم بما يلي من الثمار:

تحقق الإِيمان: لا يكتملُ إيمانُ العبدِ إلاَّ بمحبةِ اللهِ ورسولهِ بصدقٍ والتلذذ بهذا الحُب كُلما كانَ أعمقُ في النفسِ، فمن يُدرك معنى الحُب الحقيقي لرسولِ اللهِ صَلَّ اللهُ عليهِ و سَلَّم طَابَ فؤادهُ وإطمئَنَّ وسكنتَ جوارحهُ لأنهُ على يقينٍ بأنَّ مصيرهُ الجَنَّة.

المحبةُ سبيلُ رفقةِ رسولُ اللهِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم بالجنَّة: ولا أثوب من أن يُحشر المرءُ يومَ القيامةِ مع من يُحب؛ وكيف إذا كان الحبيبُ هو محمدٌ بن عبدِ اللهِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم وأن الحشر سَيكونُ في حوضهِ الشريف وبجوارهِ، فقد حدثنا أنسُ بن مالك رضيَّ الله عنهُ قائلاً: “أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم: مَتَى السَّاعَةُ يا رَسولُ اللَّهِ؟ قالَ: ماذا أعْدَدْتَ لَهَا قالَ: ما أعْدَدْتُ لَهَا مِن كَثِيرِ صَلَاةٍ ولَا صَوْمٍ ولَا صَدَقَةٍ، ولَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ، قالَ: أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ”.
صَلاحُ الحالِ وتَفريجِ الهُموم والمغفرةُ من الذنوبِ: فمن أحبَّ النبيُّ الأكرم صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم بصدقٍ حُلَّت عنهُ الكُربْ وفُرِّجَ ما يؤرقهُ من هموم وكُفِّر ما يثقلهُ من الذنوبِ لصلاحِ حالهِ، قال إبن أبي كعب: “قلتُ يا رسولَ اللهِ! إني أُكثِرُ الصلاةَ عليك، فكم أجعلُ لكَ من صلاتي؟ فقال: ما شئتَ، قلتُ: الرُبعَ؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهوَ خَيرٌ لكَ، قلتُ: النصفَ؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهوَ خيرٌ لكَ، قُلت: فالثُّلُثَيْنِ؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهوَ خيرٌ لكَ، قلتُ: أجعلُ لكَ صلاتي كُلَّها؟ ! قال: إذًا تُكْفَى همَّك، ويُكَفَّرُ لكَ ذنبَك”.

السكينةُ بالنفس: تَنجمُ عن محبةِ رسولُ الله صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم الرضا بما يُقدمُ العبدُ من الطاعاتِ للمُعَلمُ الأول في الإسلام، وتعويد النفسِ على التأسي بهديهِ لمواجهةِ الشدائد ودوامُ الإِيمان بالقلب، ومتى إستكانَ القلبُ لمحبةِ النبيّ طابت الحياة، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.


أدلة وجوب مَحبةِ رسول الله صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم

محبةُ رسولُ الله صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّمَ من ركائزِ الإِيمان والدلائل عليهِ، وقد وردَ في القرآنِ والسُّنةِ النبوية الشريفة عددٌ كثيرٌ من الأدلةِ التي تثبت وجوبَ محبةِ الله ورسوله وضرورة جعل درجاتِ محبةِ النبيَّ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم ومحبةِ الله مُقدمةٌ عن سواهما من الأحبة في هذه الحياة، وهي:

حوار عمر بن الخطاب مع النبي وقد أمره فيه أن يحبه أكثر من نفسه، فروى عبد الله بن هشام قائلاً: “كُنَّا مع النَّبيِّ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم وهو آخِذٌ بيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقالَ له عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِن نَفْسِي، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم: لَا، والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ، فَقالَ له عُمَرُ: فإنَّه الآنَ، واللَّهِ، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّ اللهُ عليه وسلَّمَ: الآنَ يا عُمَرُ”.
مُطالبةِ العبد بأن يكونَ رسولُ اللهِ أحبُّ من نفسهِ إليهِ فيقدمهُ على من سواه حتى ذويهِ كما قالَ تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}.
تَوعُد اللهِ من يُقدم حبَّ أُمورِ الدُنيا أو أشخاصاً منها على اللهِ ورسوله بالعذابِ؛ فقال سُبحانهُ وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.
تعظّم رسول الله صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم شأن حُبهِ وإنزالهُ منزلةُ السبيل إلى رضا اللهِ وحلاوةِ الإِيمان والفوز بالجنَّة؛ إذ قال صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّمَ: “ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وجَدَ حلاوَةَ الإِيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبُّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ مِنْهُ؛ كَما يَكرَهُ أنْ يُلْقى في النارِ”.

صورٌ تدلُ على محبةِ رسولُ اللهِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم منها:
كثيرةٌ هي الصُور التي يُعبر خلالها العبدُ عن محبتهِ لرسولِ اللهِ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم وتَعلُّقهُ بِهِ فمن أبرزها:
نُصرةُ النبيّ.
السعي لِصحبةُ النبيَّ.
الإِمتثال لما أمرَ والانتهاءِ عمَّا نَها.
إدانة الإساءة للنبي بالقول والفعل.
تركِ البِدع.
سبيل محبة أصحابهِ وأهلِ بيتهِ الكرام.
التأدب مع ذكرِ النبيّ وعدم المُغالاة في حُبّهِ.
وإنَّ من يُرائي الناس بأنَّهُ يحب اللهَ ورسولهُ وهو غارقٌ في الذنوبِ فإن كان مؤمناً باللهِ ورسولهِ سيكون حبهُ لهما ناقصاً وإيمانهُ ضعيفاً متزعزعاً تذروهُ رياحُ المعاصي والشهوات أينما طارت وحلت، والتأسي بالنبي صلَّ الله عليهِ و سلَّم يجب أن يكون بالقول والفعل ولا بد من أن ينبع من القلب والعقل، فيلتزم العبدُ بما أمرَ الله ورسولهُ ويتجنب نواهيهِ لقولهِ تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

وقد حذَّرَ المولى عزَّ و جلَّ من وبالِ التعالي على النبيّ صَلَّ الله عَليهِ و سَلَّم ومُخالفةِ أوامرهِ، فقال: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، كما أنَّ في إِدعاءِ الحُب لهُ أسباب الزيغِ والبُعدِ عن الإيمان، وهناكَ الكثير من الفِهمِ المغلوط لحُبِّ وإحترام النبيَّ صَلَّ اللهُ عَليهِ و سَلَّمَ وتتبُعِ سُنتهُ وهَديَّهُ بشكلٍ خَاطئ.
إعداد و تحضير الفقير إلى رحمةٍ الله،
أخيكم معاوية فهمي.
°°°°°°°°°°°°°°