الاصل الثامن :
********** الايجاز ********
وهو من اعلى مقامات الفاظ النبى صلى الله عليه وسلم فقد ((((((( بعث بجوامع الكلم ))))))))
حتى انك تجد اطول خطبة للنبى صلى الله عليه وسلم لا تعدو العشرة دقائق فما هو الايجاز ؟؟؟؟ لنتعرف عليه عن كثب مع بعض احاديث النبى صلى الله عليه وسلم .
هو جمع المعانى الكثيرة تحت الألفاظ القليلة مع الإبانة والإفصاح.
ولقد نقلت هنا عن ابن سـنان الخـفاجى , والرمانى , وابن الأثير لأن كلامهم أقرب إلى ما نحن بصدده من بيان الإيجاز فى البيان النبوى خاصة وأن ابن الأثير قد أشار فى التطبيق إلى نماذج من الأحاديث النبوية الموجزة كما أن ابن الأثير عنى فى كتابه المثل السائر بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لا يكاد فصل من فصوله يخلو من استشهاد بحديث نبوى يقرن بالاستشهاد بكتاب الله , وقد أفاض فى الاستشهاد بأحاديث الرسول فى أبواب الإيجاز , والتشبيه , والكناية , والسجع , وخص باباً بجوامع الكلم أشار فيه إلى روائع مختارة من البيان النبوى .
وبعد هذه المقدمة الموجزة عن الإيجاز عند البلاغيين أنتقل إلى التطبيق على بعض الأحاديث النبوية الموجزة . ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تبكى عند قبر فقال : " اتق الله واصبرى " قالت : إليك عنى فإنك لم تصب بمصيبتى , ولم تعرفه . فقيل لها : إنه النبى صلى الله عليه وسلم . فأتت باب النبى صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين , فقالت : لم أعرفك . فقال : " إنما الصـبر عند الصدمة الأولى " .
وما أروع عبارته الأخيرة صلى الله عليه وسلم . لقد جمعت مع الإيجاز الحكمة , ولقد تألفت من خمس كلمات , ولكنها حوت الكثير من المعانى , فالنبى صلى الله عليه وسلم بهذه العبارة الموجزة يريد أن يقول لهذه المرأة الثكلى التى فقدت صبيها و قد آلمها المصاب , وأجزعتها الفجيعة أن الصبر الحقيقى عند شدة المصيبة وقوتها , وأن صاحبه يحمد ويثاب عليه فى هذه اللحظة لأن النفس إنما يشتد جزعها أو يكون ثباتها عند أول نزول البلاء . فمن الناس من يجزع ويفوت على نفسه فضيلة الصبر الذى جاء فى الحديث محصوراً بـــ " إنما " وجاء أيضاً معرفاً بــ " أل" أى الصبر الحقيقى الكامل الذى يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه , والذى يستحق عليه صاحبه الأجر والثواب , والذى يعتد به ما كان فى هذه اللحظة التى عبر عنها النبى صلى الله عليه وسلم بـــ " الصدم " من الأمور الحسية . فالصدم هو ضرب الشئ الصلب بمثله ( والمعنى الثبات عند نزول البلاء والتحمل فى سبيل الله , ونعت الصدمة هنا بالأولى إشارة إلى ما سبق ذكره من أن الصبر عند قوة المصيبة وشدتها محمود صاحبه , ومثاب لأنه إذا طال الوقت فيصير الصبر طبعاً فلا يؤجرعليه . وهكذا نرى عبارته صلى الله عليه وسلم على وجازتها ودقة ألفاظها قد حوت كثيراً من المعانى والإشارات , ويلاحظ أنه جاء بـــ " إنما " التى تفيد القصر فى أول الكلام , وعرف الصبر بـــ " أل " , وعبر عن شدة المصيبة بالصدمة الأولى .
كل هذا مقصود إليه فى إيجاز هـذا الحـديث , والحديث فضلاً عن ذلك حكمة من الحكم تدور على ألسنة الناس اليوم إذا أصيب أحدهم بمصيبة شديدة صبره الناس بهذا الحديث . وهكذا
يظل البيان النبوى بإيجازه بياناً مفتوحاً مع الزمان .
ولنأخذ مثالأ آخر فى مجال الحض على فعل الطاعات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"كل معروف صدقة " فالحديث من ثلاث كلمات , ولكن ما أعظم معانيه وغاياته , فلقد أتى هنا بلفظة " كل " التى تفيد العموم فى سياق الإيجاب مع تقديمها , وقد أضاف إليها " المعروف " منكراً وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس , وهو من الصفات الغالبة بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه , وما أكثر المعروف الذى يشمل كل أبواب الخير جليلها ودقيقها حتى أن يلقى المسلم أخاه بوجه طليق , ولقد جاء هنا بكلمة " معروف" نكرة لهذا القصد أى ليشمل كل أنواع البر قليله وكثيره , وكلمة معروف هنا لها دلالتها لــتشمل كل ما تعــارف عليه الناس من الخير , ولم يقل هنا : البر أو الطاعة مثلاً لأجل العموم فى فعل الخير كما سبق , وقد أدخل النبى صلى الله عليه وسلم فعل الطاعات كلها فى باب الصدقات توسيعاً لمفهوم الصدقة التى لا تنحصر فى العطاء المادى للمحتاج , بل تشمل كل أنواع الخير من صلة للرحم , وحسن الصحبة للناس , ونحو ذلك . وإيجاز الحديث فى أنه أتى بالعموم فى فعل المعروف ليشمل كل خير فليتأمل المسلم فى أنواع البر وصنوف الطاعات , وليعلم أنها تدخل فى باب الصـدقات حتى أن يمـسك المسلم عن الشر فإنه له صدقة , ويلاحظ هنا أن الإيجاز فى اللفظ قد راعى فيه البيان النبوى الدقة ليشمل كثيراً من المعانى لأنها المقصودة من هذا الإيجاز , وهذه الكلمات الثلاث قد عبرت عن المقصود أتم تعبير , وشملت من الخير الكثير .
ومن الإيجاز قوله صلى الله عليه وسلم : " الجالب مرزوق , والمحتكر ملعون " وهذا الحديث مع ما فيه من الإيجاز" فيه مقابلة حيث قوبل الملعون بالمرزوق , والمقابل الحقيقى مرحوم أو محروم ليعم , فالتقدير التاجر مرحوم لتوسعته على الناس , والمحتكر ملعون محروم لتضييقه على الناس "
فجــمع البيان الـنـبوى هنا بين صـنفين من التجار . أحدهما :يوسع على الناس وييسر ولا يحتكر, فبين النبى صلى الله عليه وسلم أنه مرزوق موسع عليه لأنه وسع ويسرعلى الناس . أما الثانى : الذى اشترى الطعام فى وقت الغلاء وادخره ليغلو فهو ملعون خاطئ كما صح فى حديث آخر عند مسلم لأنه شق على الناس وضيق عليهم , والمقابل للمرزوق هو المحروم ولكنه قابله بالملعون ليعم ويشمل الحرمان واللعنة أيضاً فوق ذلك لأن ضرره متعد إلى الناس الذين استغل حاجتهم إلى الطعام والشراب , فالاحتكار المحرم هو فى الأقوات خاصة .
وبهذه الكلمات الموجزة والمقابلة الدقيقة بين النبى صلى الله عليه وسلم الفرق بين التاجر المرحوم والتاجر الملعون , ومن خلال كلامه يفهم الحض على التسامح والرفق بالناس فى التعامل , والتيسيير على ذوى الحاجة فليتأمل !
وفيما يتصل بالعين وأثرها فى المعين يقول صلى الله عليه وسلم : " العين حق " وما أروع الإيجاز فى هذا الحديث المؤلف من كلمتين , ولكن فيه من المعانى ما فيه , فالنبى صلى الله عليه وسلم أراد بـ " العين " : الإصابة بالعين , ومعنى أنه " حق " : أى كائن مقضى به فى الوضع الإلهى لا شبهة فى تأثيره فى النفوس والأموال . فهذا الحديث بإيجازه رد على من ينكرون الحسد وأثره فى المحسود , وفيه إشارة إلى أن هذا الحسد من قضاء الله وهو ما عبرت عنه كلمة " حق " لتشمل هذا المعنى , وتشمل الرد على من ينكرون وجوده ووقوعه . وما أروع تعبيره بــ " العين " ولم يقل مثلاً : الحسد حق , وإنما قال : " العين " إشارة إلى الغالب فى الحسد , وهو أن يكون بالنظر من الحاسد إلى المحسود يقال : أصابت فلان عين : إذا نظر إليه عدو أو حسود فأثرت فيه فمرض بسببها , ويقال : عانه يعينه فهو عائن : إذا أصابه بالعين , والمصاب معين , فعبر عن الغالب فى الحسد بذكر آلته , وإلا فالحسد قد يكون مع السماع من غير رؤية أوفى القلب , ولا يشترط فيه الرؤية , ونلمح هنا الارتباط بين اللفظ والمعنى مع الإيجاز .
ومن الإيجاز : قوله صلى الله عليه وسلم : " الحرب خَدْعة " , وهذا الحديث من جوامع كلمه , وروائع حكمه صلى الله عليه وسلم , ولقد عده الثعالبى فــى كتابه الإعجاز والإيجاز
من أمثـال النبى صلى الله عليه وسلم السائرة وأقواله الرائعة ( وكلمـة " خدعـة " هنـا فيها أكثر من ضبط والضبط الأفصح فيها هو الضبط الأول بفتح الخاء وسكون الدال كما قال النووى وغيره , وهو لغة النبى صلى الله عليه وسلم كما قال ثعلب ؛ ولأن هذا الضبط يعطى معنى البنيتين الأخيرتين . وهذا الحديث من روائع الإيجاز ففيه استعمال الحيلة ولو مرة واحدة وإلا فقاتل . وقال الخطابى : " معناه أنها مرة واحدة : أى إذا خدع مرة لم تقل عثرته . والإتيان بالتاء للدلالة على الوحدة ؛ فإن الخداع إن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة , وإن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغى التهاون بهم لما ينشأ عنهم من المفسدة ولو قل , وفى اللغة الثالثة صيغة المـبالغة كهمزة ولمزة . وهكذا نرى أن ضبط الحديث بفتح الخاء وإسكان الدال فيه من الإيجازما سبق ذكره ؛ ولذا قال أبو بكر بن طلحة : " أراد ثعلب بقوله إنها لغة النبى صلى الله عليه وسلم أن النبى كان يستعمل هذه البنية كثيراً لوجازة لفظها , ولكونها تعطى معنى البنيتين الأخيرتين , فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى " , وفى الحديث التريض على الحذر فى الحرب , والندب إلى خداع الكفار , وإن لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه , وفى الحديث الإشارة إلى استعمال الرأى فى الحرب , بل الاحتياج إليه آكد فى الشجاعة . ولقد قال ابن المنيّر : معنى " الحرب خدعة " أى الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة فى مقصودها إنما هى المخادعة لا المواجهة , وذلك لخطر المواجهة , وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر . وهذه العبارة مع وجا زتها مطابقة لمقتضى الحال لأن النبى صلى الله عليه وسلم قالها فى غزوة الخندق .
ومن الإيجاز ما رواه أبو هريرة أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركـب البـحر , ومعنا القــليل من المــاء فإن توضأنا به عطــشنا , أفنـتوضـأ بماء البحر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه , الحل ميتته " , والحديث من روائع الأيجاز حيث تألف من خمس كلمات . وقد عده العلماء من أصول الطهارة لاشتماله على أحكام كثيرة . قال ابن الملقن : " إنه حديث عظيم , أصل من أصول الطهارة مشتمل على أحكام كثيرة وقواعد مهمة , وقال الحميدى : قال الشافعى : هذا الحديث نصف الطهارة " فألفاظ هذا الحديث مع قلتها وضعت بدقة وإحكام وعناية , فقوله " الطهور " جاء معرفاً بلام الجنسية المفيدة للحصر , وهذا الحصر لا ينفى طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جواباً لسؤال من شك فى طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر . ومجئ لفظة " الطهور " معدولاً بها عن صيغة فاعل إلى فعول لزيادة معنى ؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعانى , فكما لا يجوز التسوية بين صابر وصبور وشاكر وشكور كذا فى طاهر وطهور , فهو اسم للماء الذى يتطهر به ولا يجوز إلا أن يكون طاهراً فى نـفسه مطـهراً لغيره ,و الشئ إذا كان طاهراً فى نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه حتى يصفه بطهور لزيادة طهارة , وإذا نقلنا الطاهر إلى طـهور لم يكن إلا لزيـادة معنى , وذلك المعـنى ليس إلا التطـهير , والنبى صلى الله عليه وسلم فى إجابته الموجزة لم يجب بــ " نعم " بل أجاب بــهذا اللفــظ ليقرن الحكم بعلته وهى الطهورية المتناهية ) , ولقد أخرج النبى صلى الله عليه وسلم الجملتين مخرج الحصر حيث عرف خبريهما , يعنى ماء البحرلسعته وغزارته حكمه حكم سائر المياه فى طهوريته وحـل ميتته لا يتجـاوز إلى النـجاسة . ويلاحظ الإيجاز فى قوله " الحل ميتته " لأن فيه دليلاً على حل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه , وهذا الحديث مع إيجازه وقلة ألفاظه كثير الفوائد , ومن فوائده : أن التوضؤ بماء البحر يجوز مع تغير لونه وريحه , ومنها أن الطهور هو المطهر لأنه صلى الله عليه وسلم سأل عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته , ولولا أنهم عرفوه من الطهور لكان لا يزال إشكالهم بقوله " هو الطـهور مـاؤه "
وقيل : الطهور ما يتكرر منه التطهير كالصبور والشكور , ومنها أن جميع حيوان البحر سواء فى الحل إلى غير ذلك مما ذكره العلماء . فلينظر إلى هذا الحديث الذى قل عدد ألفاظه مع دقة معانيه ووضوحه ,وبديع تركيبه , ومطابقته لمقتضى حال المخاطبين .
والأحاديث السابقة غيض من فيض مما يزخر به البيان النبوى فى باب الإيجاز , ويلاحظ من خلالها التنوع فى الموضوع , فلقد كان صلى الله عليه وسلم لديه القدرة على الإيجاز فى عرض أى موضوع من الموضوعات . فالإيجاز فى الحديث الأول فى موضوع الصبر على البلاء , والإيجاز فى الحديث الثانى فى الحض على فعل المعروف , وفى الحديث الثالث فى بيان أصناف التجار , وفى الرابع لبيان أثر الحسد على المحسود ونفاذه , والإيجاز فى الخامس لبيان جواز الخدعة فى الحرب , وفى السادس لبيان طهورية ماء البحر وحل ميتته .
ويلا حظ على الإيجاز فى البيان النبوى أيضاً قلة الألفاظ مع وضوحها , وهذا الوضوح فى دلالة الألفاظ الموجزة شرط دقيق لأن الإيجاز إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ , فلابد أن تكون العبارة واضحة حتى لا يختلف الناس فى فهمها , ولا يستحق الكلام لفظ الإيجاز والاختصار حتى تكون دلالة اللفظ على المعنى دلالة واضحة كما لاحظنا فى الأمثلة السابقة .
ويلاحظ كذلك مراعاة ما تقتضيه الحال من حيث التعريف والتنكير , والتقديم والتأخير كما فى حديث " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " حيث جاءت " إنما " للقصر , وتعريف " الصبر " لما سبق ذكره , والتعبير عن أثر المصيبة بــ " الصدم " من الأمور الحسية . وكذلك فى حديث " كل معروف صدقة "بتقديم " كل " التى تفيد العموم , وتنكير" معروف" , واستعمال هذه اللفظة دون غيرها . وكذلك فى حديث " العين حق " حيث عبر عن الحسد بــ " العين " دون لفظ الحسد أو نحوه لما سبق ذكره . وفى حديث طهارة ماء البحر جاء التعبير بــ " الطهور " والعدول عن فاعل إلى فعول مع التعريف لما سبق ذكره . وهذه بعض الأمثلة لروائع الإيجاز فى البيان النبوى من إيجاز القصر دون الحذف وأشير إلى بعض أحاديث الإيجاز الأخرى لـمن أراد التوســع فى البحث , والتأمل فى أســرار البــيان النبــوى.
* قال رسول الله صـلى الله علـيه وسلم:" أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر "
* قال رسول الله لحكيم بن حزام : " أسلمت على ما سلف لك من خير "
* قال رسول الله : " دعه فإن الحياء من الإيمان "
* قال رسول الله : " لى الواجد يحل عرضه وعقوبته "
* قال رسول الله : " قل : آمنت بالله ثم استقم ".
********
نواصل
|