عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 2016-04-09, 12:59 PM
youssefnour youssefnour غير متواجد حالياً
عضو منكر للسنة
 
تاريخ التسجيل: 2010-05-30
المكان: مصر/الأسكندريه
المشاركات: 586
افتراضي

منظومة التواصل المعرفي (4)
التواصل المعرفي وكيفية أداء الأفعال :
وكما حملت هذه المنظومة المعرفية للناس معاني الأسماء، حملت لهم أيضا كيفيات أداء ما أجمله النص القرآني من معان .
إن الله تعالى لم يبين كيفية أداء القيام والركوع والسجود، التي تؤدى في الصلاة فإذا نظرنا إلى معنى كلمة " الصلاة " في اللسان العربي وجدناها تعنى الدعاء، وكذلك تعنى الهيئة المعروفة للمسلمين. فعندما يخبرنا الله تعالى في أول سورة البقرة أن من صفات المتقين أنهم " يقيمون الصلاة " فكيف عرفنا أن إقامة الصلاة هنا تعنى إقامة الهيئة المعروفة لنا اليوم في مواقيتها المحددة وبعدد ركعاتها ، وليس معناها إقامة الدعاء : كإقامة الدين ، وإقامة الشهادة، وإقامة الوجه لله ؟! وإذا سلمنا بأن معناها الهيئة إذن فمن آي المصادر عرفنا أن الركوع في هذه الهيئة مرة واحدة والسجود مرتان ؟!
لقد عرف العرب معنى الركوع و السجود، وكيفيته ، من منظومة المعارف العالمية كما عرفت السيدة مريم، عليها السلام، هذا المعنى .
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) آل عمران
وعندما خاطب الله تعالى العرب بمناسك الحج، التي انحرفوا بها عن ملة أبيهم إبراهيم، عليه السلام، وجاء القرآن يصحح لهم انحرافهم هذا...، فإنه خاطبهم بمعارف أممية ، تخص أمة العرب.
) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)البقرة
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ...، (158)البقرة
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ...، (97)
فهل عندما أمر الله تعالى المسلمين بأداء فريضة الحج، هل بين لهم في القرآن الموقع الجغرافي لمناسك الحج، وخارطة الطريق الموصل إليها؟! إذن فكيف سنفهم من القرآن وحده أين هي أماكن أداء مناسك الحج؟! كيف سنتعرف من القرآن وحده على البيت، ومقام إبراهيم ، والصفا والمروة والمشعل الحرام، وعرفات...، التي وقف عليها المسلمون الأوائل لأداء هذه الفريضة؟! وهل هذه الأماكن هي نفسها التي كانت معروفة للناس، والمتوارثة اسما ومسمى عبر " منظمة التواصل المعرفي "؟!
إنه لو مكث المسلم عمره كله يدرس هذه الآيات ويتدبر معانيها في القرآن دون سابق معرفة بها ، أو لصورها المتعلقة بذهنه، فلن يستطيع أن يؤدى ما أمره الله فيها من مناسك؟! فهل سيعرف معنى " بِبَطْنِ مَكَّةَ " في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)الفتح
ولقد بين القرآن أن هناك ترتيبا لمناسك الحج يجب أن يتبع ، فقال تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)البقرة
فلماذا لم يقل الله تعالى عن الصلاة : ثم" صلوا كما صلى الناس " ، وعن الصوم : " وصوموا كما صام الناس "...، كما قال هنا فى فريضة الحج : " ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ "؟!
إن قوله تعالى : " ثُمَّ أَفِيضُوا " جاء لبيان ترتيب الإفاضة الثانية، والتي هي بعد الإفاضة الأولى من عرفات، من "المشعر الحرام"، الأمر الذي يستحيل فهمه بمجرد تلاوة هذه الآيات دون تواجد على الأرض التي تؤدي عليها هذه المناسك وتعلمها بخلاف فريضة الصلاة والصيام، التي تؤدي في أي مكان !!
وعندما أخبر القرآن عن أحوال قوم موسى فقال تعالى :
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)البقرة
وعن قصة إبراهيم، عليه السلام، مع ابنه ، قال تعالى :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)الصافات
فهل كان الناس يعرفون معنى "الذبح" وكيفيته، والفرق بين طرق القتل المتعددة؟! وهل كان القرآن وحده كافيا لفهم هذه الكيفية، وهذا الفرق، دون تواصل هذه المعرفة بين الناس ؟!
لاشك إن الله تعالى خاطب العرب بكلمات كانوا يعرفون مدلولاتها، وكيفية أداء أفعالها، من قبل أن يتنزل القرآن . لقد فهموا ما جاء به القرآن من معارف عالمية، أو أممية تخص أهل الجزيرة العربية .
فإذا قال الله تعالى :
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)البقرة
فلا شك أن العرب عرفوا معنى قوله تعالى : " فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " ولكن هل عرفوا ذلك من القرآن أم من تواصل معنى الإتيان وكيفيته بين الناس عبر هذه المنظومة المعرفية ؟!
وعندما يلفت الله تعالى نظر العلماء المتخصصين فى علوم طبقات الأرض إلى مصدر معرفي خارج حدود النص القرآني ، وهو السير في الأرض ، لمعرفة كيف بدأ الخلق، والوقوف على دلائل الوحدانية المسبحة دوما لمبدعها وخالقها الله عز وجل فإن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا إذا حفظ الله تعالى المعارف الدالة على هذه الكيفية حفظه لهذا النص القرآني .
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)العنكبوت
لقد دعا الله الناس إلى العمل في ميادين آيات الآفاق والأنفس وبآليات عمل القلب ودعاهم إلى السير في الأرض للتعرف على نعمه الموجبة لتوحيده وإفراده بالعبادة .
إن الحفريات التي حملتها الأرض والجبال مئات القرون، والتي كشف العلم أنها تحكى عن حقائق تاريخية، تعتبر من مصادر المعرفة . لقد حثنا القرآن على السير في الأرض ، لا من أجل السياحة فحسب، وإنما لقراءة الأحداث التاريخية ودراستها وتحليلها وفهمها، والتعرف على نواميس الكون وقوانينه، لتفادى التصادم معها وتوظيفها لخدمتنا .
إننا لا نأخذ من الماضي ديننا وشريعتنا ، وإنما نتعرف عليه لنقرأه ، من أجل أخذ العبرة للحاضر ، والتأسيس للمستقبل .
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)آل عمران
لقد جاء القرآن الحكيم يخاطب أهل اللسان العربي بكلمات فهموا معناها وعرفوا مدلولاتها من خلال ما وصل إليهم من معارف عبر هذه المنظومة المعرفية المتصلة بالكينونة البشرية من لدن آدم عليه السلام .
لذلك فإن حفظ الله تعالى لهذه المعارف كان ضرورة يفرضها وجوب تفاعل هذا القرآن مع واقع كل عصر . فلا يمكن تصور أن القرآن يتنزل علينا اليوم بآيات لا تفاعل لها مع ما وصلت إليه المعارف في عصرنا .
لم يكن البشر يعرفون علم طبقات الأرض ومسألة كرويتها ...، ولكن الله الذي علم بالقلم، فتح أمامهم أبواب المعارف المختلفة، وزودهم بقدرات وآليات تمكنهم من كشف أسرار آياته ، في الأفاق والأنفس ، حتى يتبين لهم أنه الحق .
سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)فصلت
إن الإنسان بأدوات الفهم السليم لكتاب الله وبفطرته النقية، يستطيع أن يثبت أنه الحق ، وذلك بدراسة ما في هذا الكتاب من آيات، تشهد بتفاعلها مع هذه المنظومة الكونية على أيدي العلماء المتخصصين .
إن الفهم السليم لكتاب الله، يجعل المعركة مع المخالف في المذهب لا تتعدى أن تكون معركة فكرية أصولية ، تصحح فيها المفاهيم بالحجة والبرهان .
إن الكافر الذي ينكر حجية كتاب الله لن يستطيع إنكار حجية ما في السموات والأرض من " آيات الأفاق والأنفس " ، التي يسعد هو بنعمها ويتمتع بخيراتها، وحتى يتبين أنه الحق لابد من تفاعل بين " الآية القرآنية " وواقعتا المعاصر .
فإذا نظرنا إلى هذا الواقع المعاصر ، وجدنا أنه على الرغم من كونه ثمرة تراكم معرفي، مرّ بمراحل من البحوث والدراسات المتواصلة حتى وصل إلى يومنا هذا ، إلا أن الذي يهمنا هو بيان أن هذه الحلقة الأخيرة من هذا التراكم المعرفي هي وحدها التي تهمنا ، لأنها وحدها سيتفاعل معها العطاء القرآني المعاصر لنا .
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)يونس
تدبر قوله تعالى [وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ] والذي قد اتفق عطاؤه اليوم مع ما اصطلح على تسميته بـ "الفيمتوسكند" والذي يعبر عن منتهى الصغر، والذي لا يمكن رصده إلا بكاميرات يمكنها رصد حركة ما هو واحد على مليون مليار جزء من الثانية .
وهذا الإنجاز العلمي ما هو إلا أيضا محصلة تجارب سابقة، متعددة عبر سلسلة من المعارف المتواصلة .
ومع إيماننا بأن هذه المعارف ، وهذه التقنيات العلمية، سلسلة متصلة الحلقات واعترافنا بأنه لولا حلقات السلف ما وصلت هذه المعارف إلى الخلف إلا أننا نؤمن أيضا بأن لكل عصر متطلباته وتحدياته . إن لكل عصر تحدياته التي تفرض عليه أن ينظر إلى الغد ، لا إلى الأمس وأن يعلم أصحاب كل عصر ، أن فاعلية ميراث السلف تخص العصور التي ولدت فيها ، فلكل عصر عطاءاته.
ويمكننا إيجاز شروط قبول ما حملته " منظومة التواصل العرفي " من معارف وكيفيات أداء عملي ، فيما يلي :
أولا : أن يوجد نص قرآني يشير إلى هذه المعرفة ، أو أن يذكر حكما مجملا تأتى هذه المنظومة بكيفية أدائه .
ثانيا : ألا يختلف فعل المسلمين كافة في أداء كيفية الأداء العملي .
ثالثا :ألا يوجد في القرآن ما يتعارض مع هذه المعارف، قولية كانت أو عملية .
إنه لولا تواصل الرسالات الإلهية التي حملت الفرقان والميزان الإلهي الحق لإقامة خلافة الإنسان في الأرض على أحسن حال ، ما أهتدي الناس إلى هذه المعارف، وإلى هذه العلوم وهذه التقنيات الحديثة .
إن تتطاول الزمن بين الشرائع الإلهية، يؤثر على فاعلية استجابة القلوب لدعوة الرسل، والتميز بين ما هو شريعة إلهية وما هو موروث ديني وسط تراكم معرفي هائل ، حملته منظومة التواصل المعرفي إلى الناس .
لقد حرف أهل الكتب السابقة كتبهم. وأدخلوا فيها العقائد الباطلة ، والمرويات والأساطير المزيفة التي نسبها الرواة إلى الرسل، ثم تداولتها المجامع بعد ذلك ودونتها في كتبها ، ونشرتها كدين مقدس واجب الإتباع، وحملتها منظومة التواصل المعرفي لأتباعهم، فأمنوا بها وصدقوها عبر آلاف السنين ، ثم جاء القرآن الحكيم، يحذر الذين آمنوا من أن يفعلوا مثل ما فعل هؤلاء، فتقسوا قلوبهم ، فيكونوا من الفاسقين .
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)الحديد
يتبع