التّمهيد الثّالث قبل استكمال الموضوع؛ دعاء ختم القرءان الكريم وما يتعلّق بذلك:
يُعدّ دعاء ختم القرءان الكريم من المواطن الشّريفة الّتي يرجى فيها القبول، وقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكامه وآدابه بناءً على الآثار الواردة وعمل السّلف الصّالح.
إليكم تفصيل فقهيّ موجز حول هذه المسألة:
1. حكم دعاء الختم ومشروعيّته
الاستحباب: ذهب جمهور الفقهاء (من الحنابلة والشّافعيّة والمتأخّرين من الحنفيّة) إلى استحباب الدّعاء عقب ختم القرءان الكريم.
الأصل الوارد: استندوا إلى ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه كان إذا ختم القرءان الكريم جمع أهله ودعا، ولعموم النّصوص الّتي تشير إلى أنّ تنزّل الرّحمة عند ختم القرءان الكريم.
2. دعاء الختم في الصّلاة (التّراويح)
محلّ الدّعاء: اختلف الفقهاء في موقعه داخل الصّلاة؛ فالمشهور عند الحنابلة أنّه يكون قبل الرّكوع (بعد الفراغ من القراءة)، وهناك قول بأنّه يكون بعد الرّفع من الرّكوع (كالقنوت).
خارج الصّلاة: هو أوسع وأيسر، ويستحبّ فيه تحرّي الأوقات الفاضلة.
3. الآداب الفقهيّة المتّبعة
الاجتماع له: يُستحبّ جمع الأهل والأصدقاء لحضور الختمة والدّعاء تأسّيا بفعل الصّحابة، لقولهم: "تنزّل الرّحمة عند ختم القرءان".
الصّوم: استحبّ بعض السّلف أن يكون يوم الختم صياماً ليكون أدعى للقبول.
البدء والختم: يُستحبّ البدء بحمد الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله والثّناء عليه والصّلاة على النّبيّ ﷺ، ثمّ الدّعاء بجوامع الكلم.
4. صيغ الدّعاء
لم يرد نصّ نبويّ صريح بـ "دعاء محدّد" يجب التزامه، ولذلك:
يجوز للدّعاء أن يشمل خير الدّنيا والآخرة.
يُفضّل التّركيز على طلب الهداية، والثّبات على العمل بما في القرءان الكريم، وجعله شفيعاً لصاحبه.
الدّعاء الشّهير الملحق بآخر المصاحف (منسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأوسع رحمته) هو دعاء مستحسن ومنظّم، لكنّه ليس واجباً.
5. مسألة "الحلّ والارتحال"
من السّنن المهجورة الّتي ذكرها الفقهاء هي "الحلّ والارتحال"، وهي أن يشرع القارئ في سورة الفاتحة وأوّل خمس آيات من سورة البقرة فور انتهائه من سورة النّاس، ليكون القرءان الكريم متّصلاً دائماً، وكأنّه ارتحل من ختمة ليحلّ في ختمة أخرى.
إليكم مجموعة من الأدعية الجامعة والمأثورة الّتي تناسب ختم القرءان الكريم، مصنّفة لتشمل خيري الدّنيا والآخرة، مع مراعاة جوامع الكلم:
1. الاستفتاح بالثّناء والصّلاة
"اللّهمّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، اللّهمّ صلِّ وسلّم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين."
2. دعاء القرءان الكريم والارتباط به
"اللّهمّ اجعل القرءان العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا."
"اللّهمّ ذكّرنا منه ما نُسّينا، وعلّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء اللّيل وأطراف النّهار على الوجه الّذي يرضيك عنّا."
"اللّهمّ اجعلنا ممّن يحلّ حلاله ويحرّم حرامه، ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه، ويتلوه حقّ تلاوته."
3. دعاء الهداية والصّلاح (توازن المصالح)
"اللّهمّ أصلح لنا ديننا الّذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الّتي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا الّتي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كلّ خير، والموت راحة لنا من كلّ شرّ."
"اللّهمّ آتِ نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها."
4. دعاء الثّبات وحسن الخاتمة
"اللّهمّ اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيّامنا يوم نلقاك فيه."
"اللّهمّ لا تدع لنا ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا ديناً إلّا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدّنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلّا قضيتها يا أرحم الرّاحمين."
5. دعاء للوالدين والأهل
"اللّهمّ اغفر لوالدينا وارحمهم كما ربّونا صغاراً، واجعل القرءان الكريم شفيعاً لنا ولهم يوم القيامة."
"اللّهمّ بارك في أهلنا وذريّاتنا واجعلنا وإيّاهم من أهل القرءان الكريم الّذين هم أهلك وخاصّتك."
نصيحة فقهيّة: يُستحبّ عند الفراغ من سورة "النّاس" أن تقرأ الفاتحة وأوّل خمس آيات من سورة "البقرة"، عملاً بسنّة "الحالّ المرتحل"، وهي أن تختم لتبدأ من جديد فوراً.
هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم.
يتبع إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|