عرض مشاركة واحدة
  #13  
قديم 2026-03-04, 05:33 PM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

التّمهيد الخامس قبل استكمال الموضوع:

"فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"

تتناول هذه الآية الكريمة من سورة النّحل (الآية 98) أدباً ربّانيّاً رفيعاً وفقهًا عميقاً يتعلّق بالتّعامل مع كتاب الله عزّ وجلّ. إليك بيان لأهمّ الجوانب الفقهيّة واللّغويّة المتعلّقة بها:

1. دلالة الأمر (الاستحباب أم الوجوب؟)
ذهب جمهور العلماء والفقهاء إلى أنّ الأمر في قوله "فَاسْتَعِذْ" يحمل على النّدب والاستحباب وليس الوجوب.

الهدف: تحصين القارئ من وسوسة الشّيطان ليتمكّن من التّدبّر والخشوع.

صيغة التّعوّذ المختارة عند أكثر القرّاء والفقهاء هي: "أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم"، لامتثال لفظ الآية، وإن زاد القارئ "السّميع العليم" فلا بأس.

2. التّوقيت: قبل القراءة أم بعدها؟
على الرّغم من أنّ ظاهر الفعل "فَإِذَا قَرَأْتَ" (بصيغة الماضي) قد يوحي بأنّ الاستعاذة تكون بعد الفراغ، إلّا أنّ التّفسير الفقهيّ واللّغوي المعتمد هو "إذا أردت القراءة".

النّظير اللّغويّ؛ يشبه قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}، أي إذا أردتم القيام.

الحكمة: مثلما أنّ الطّهور والوضوء طهارة للبدن قبل قرءاة القرءان الكريم؛ فكذلك يكون البدء بالاستعاذة هو طهارة للفم والقلب، وطرد للشّيطان قبل الشّروع في التّلاوة، لئلّا يلبس على القارئ قراءته أو يصرفه عن التّدبّر.

3. الحكمة من الاستعاذة عند قراءة القرءان الكريم تحديداً
قد يتساءل البعض: لماذا الاستعاذة عند الطّاعة؟

دفع الصّوارف: الشّيطان يحرص على صرف العبد عن أعظم الطّاعات، والقراءة هي وسيلة الهداية، فكان لزاماً طلب الحماية من الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله قبل البدء.

حضور الذّهن: الاستعاذة تهيئة نفسيّة تنقل القارئ من مشاغل الدّنيا إلى أجواء الوحي.

4. أحكام فرعيّة في الاستعاذة
في الصّلاة: تُشرع الاستعاذة في الرّكعة الأولى قبل القراءة، واختلف الفقهاء في تكرارها في كلّ ركعة، والأرجح كفايتها في البداية.

الجهر والإسرار: يُستحبّ الجهر بها إذا كان القارئ يقرأ جهراً وهناك من يسمعه، ويُسرّ بها في الصّلاة السّرّيّة أو إذا كان يقرأ منفرداً.

ملخّص الفائدة
الاستعاذة هي إعلان للافتقار إلى الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله، واعتراف من العبد بضعفه أمام وسوسة الشّيطان إلّا بحبل من الله تعالى، وهي المفتاح الّذي يفتح للقلب مغاليق الفهم عن الله سبحانه وتعالى.

هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم.
يتبع إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس