التّمهيد السّادس والأخير قبل استكمال الموضوع إن شاء الله تعالى:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
"تَعاهَدُوا القُرْءانَ، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها." صحيح البخاريّ.
يعدّ هذا الحديث النّبويّ الشّريف من أبلغ الوصايا النّبويّة في بيان طبيعة العلم عمومًا، وحفظ القرءان الكريم خصوصًا، حيث يضع منهجًا تربويّا ونفسيّا لاستبقاء المعرفة ومنعها من الهروب.
إليك وقفات فقهيّة وتحليليّة لمضمون الحديث النّبويّ الشّريف:
1. دلالة اللّفظ: "التّعاهد" و"التّفصّي"
تَعاهَدُوا: مادّة "عهد" تدلّ على تجديد اللّقاء والملازمة. فالتّعاهد ليس مجرّد القراءة العابرة، بل هو الالتزام بوردٍ ثابت ومراجعة دوريّة تمنع حدوث الفجوة الزمنيّة بين الحافظ والمحفوظ.
تَفَصِّيًا: أي تخلّصًا وانفلاتًا وسرعة خروج. واستخدام هذا اللّفظ يشير إلى أنّ القرءان الكريم "عزيز"، إذا تُرِك انصرف.
2. بلاغة التّشبيه: الإبل في عُقُلِها
استخدم النّبيّ ﷺ بيئة المخاطبين لتقريب المعنى، ووجه الشّبه هنا في غاية الدّقّة:
طبيعة الإبل: تُعرف الإبل بأنّها من أكثر الحيوانات رغبة في الانفلات، فإذا غفل عنها صاحبها ولو قليلًا هربت.
العُقُل: جمع عِقال، وهو الحبل الّذي تُربط به ناقة. التّشبيه يشير إلى أنّ الحفظ (العقل) وسيلة تقييد، لكنّها وسيلة تحتاج إلى مراقبة دائمة؛ فالعقال قد يرتخي أو ينقطع إذا لم يتفقّده صاحبه.
3. المقاصد الفقهيّة والتّربويّة للحديث النّبويّ الشّريف:
ترك المعاصي والذّنوب؛ يقول الرّاسخون في العلم: "إنّ الرّجل لينسّى الآية من القرءان بالذّنب يحدثه"
وجوب الاستمراريّة: يُستنبط من الحديث الشّريف أنّ الحفظ ليس "محطّة وصول" ينتهي عندها الجهد، بل هو "حالة استمرار". العلم الّذي لا يُراجع يتبخّر، والذّاكرة البشريّة مصمّمة للنّسيان ما لم يتمّ تثبيت المعلومات بالتّكرار.
عقوبة الهجر: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ نسيان القرءان الكريم بعد حفظه نتيجة الإهمال والاشتغال بالدّنيا يعدّ من الذّنوب، والحديث الشّريف هنا يحذّر من الوصول إلى هذه المرحلة عبر الحثّ على "التّعاهد".
المجاهدة: الحديث يشير ضمنًا إلى أنّ تفلّت القرءان الكريم ليس تقصيرًا في ذكاء الشّخص بالضّرورة، بل هو طبيعة في "المحفوظ" ليبقى الحافظ في صلة دائمة مع الوحي، ممّا يضمن استمرار الأجر والثّواب النّاتج عن كثرة التّلاوة.
خلاصة المنهج العمليّ:
بناءً على هذا التّوجيه النّبويّ، يمكن صياغة استراتيجيّة للحفاظ على أيّ منجز معرفيّ أو حفظيّ:
التّكرار المتباعد: عدم الاعتماد على الحفظ لمرّة واحدة، بل العودة إليه في فترات زمنيّة متقاربة.
الرّبط بالعمل: أفضل "عقال" للقرءان الكريم هو الصّلاة به (قيام اللّيل)، وأفضل "عقال" للعلم هو العمل به وتعليمه.
الحذر من الغرور: مهما بلغت درجة التّمكّن، فإنّ "التّفصّي" ممكن إذا انقطع التّعاهد.
هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم.
يتبع إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|