ننتقل الآن إلى سورة الحجر، وهي سورة "الحفظ" و"الثّبات الكونيّ". إذا كانت سورة إبراهيم قد ركّزت على منطق الكلمة، فإنّ سورة الحجر تركّز على ديمومة هذه الكلمة وحمايتها من التّحلّل أو التّحريف، واضعةً ثنائيّة (الحفظ الإلهيّ) مقابل (المحاولات الشّيطانيّة للاختراق).
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تعالج السّورة مفهوم "القدر" والزّمن والحماية الكونيّة.
أوّلاً: منطق الحفظ (قاعدة المعلومات المطلقة)
تطرح السّورة واحدة من أقوى القواعد في تاريخ الوحي: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
التّحليل المنطقيّ: استخدم النّصّ صيغة الجمع "إنّا" وضمير الفصل "نحن" للتّأكيد المطلق.
الاستنتاج: هذا تعهّد لا ريب فيه من الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله بأن يحفظ النّصّ القرءانيّ والسّنّة النّبويّة الشّريفة من التّلاعب البشريّ(وما المسلمون الثّقات المؤتمنون على هذا الحفظ إلّا أدوات سخرّها الله تعالى لحصول هذا الحفظ)، وهو ما يفسّر منطقيّاً بقاءهما عبر القرون، بخلاف الكتب السّابقة الّتي وُكل حفظها للبشر(الّذين كثير منهم غير صالحين) فدخلها التّحريف.
ثانياً: الخزائن والقدر (المنطق الفيزيائيّ للموارد)
تقدّم السّورة رؤية مذهلة لإدارة موارد الكون: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.
التّحليل: "الخزائن" تشير إلى المصادر اللّانهائيّة، و"القدر المعلوم" يشير إلى قوانين القياس والمقادير (Parameters).
المنطق: الوجود ليس عشوائيّاً في عطاء الله تعالى منه، بل هو نظام "محسوب" بدقّة؛ فالغيث، وغاز الأكسجين، والطّاقة،وغير ذلك ممّا لا نهاية لعدده من نعم الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله في هذا الوجود الّذي لا نهاية له، كلّها تنزّل بمقادير تضمن توازن الحياة (Homeostasis).
ثالثاً: برهان الحواسّ (المنطق النّفسيّ للمكابرين)
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}.
التّحليل: تشرح السّورة حالة "الإنكار الجاحد".
الاستنتاج المنطقيّ: المشكلة ليست في "نقص الأدلّة" بل في "عطل الاستقبال". عندما يقرّر العقل رفض الحقيقة سلفاً، فإنّه سيكذّب حواسّه (البصر) ليبقى وفيّاً لعناده.
رابعاً: استراتيجيّة "الإغواء" (حوار إبليس)
تعود السّورة لقصّة الخلق بتركيز على "حدود القدرة الشّيطانيّة": {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}.
المنطق: الشّيطان لا يملك "سلطة قهريّة" (Physical Force) على الإنسان، بل يملك "الوسوسة" فقط.
الاستنتاج: الإنسان يظلّ كائناً "مختاراً"؛ والاتّباع هو قرار إراديّ وليس قدراً مفروضاً. المسؤوليّة تقع كاملاً على عاتق من "اختار" الاتّباع.
خامساً: سعة الصّدر والحلّ النّفسيّ (الخاتمة)
تختتم السّورة بمواساة للنّبيّ ﷺ: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) }[سُورَةُ الحِجْرِ: ٩٧-٩٩].
التّحليل المنطقيّ للعمليّة النّفسيّة: الضّيق ينتج عن المؤثّرات الخارجيّة (كلام النّاس)، والعلاج يكون بتغيير "التّردّد النّفسيّ" عبر (التّسبيح والسّجود والاستقامة بشكل عامّ والثّبات على الاستقامة حتّى الممات).
المنطق: الاتّصال بالخالق عزّ وجلّ (صاحب القوّة المطلقة) يُصغّر المشاكل البشريّة (المحدودة) في عين الإنسان، ممّا يعيد له توازنه النّفسيّ.
جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة الحجر:
المبدأ__القانون__الثّمرة المعرفيّة
الحفظ__{إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون}__الثّقة في المصدر المعرفيّ (القرءان الكريم والسّنّة النّبويّة الشّريفة)
القدر المعلوم__التّوازن البيئيّ والكونيّ__رفض فكرة العبثيّة والمصادفة
السّلطان__محدوديّة تأثير الغواية__إقرار كامل بالحرّيّة والمسؤوليّة البشريّة
الحجر__عاقبة ثمود (أصحاب الحجر)__أنّ القوّة المعماريّة لا تحمي من السّنن الإلهيّة
الخلاصة التّحليليّة لسورة الحجر:
سورة الحجر هي سورة "المناعة واليقين". تخبرنا أنّ الحقّ "محفوظ" بقوّة إلهيّة، وأنّ الكون "محكوم" بمقادير دقيقة، وأنّ الإنسان "محروس" بوعيه ما لم يسلّم قياده لوساوس الوهم. هي صرخة لرفع الرّأس إلى السّماء لرؤية "البروج" والجمال الكونيّ الّذي يحمي الرّوح من اليأس.
هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم.
يتبع إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|