ننتقل الآن إلى سورة مريم، وهي السّورة الّتي تجسّد "منطق الرّحمة" و"فيزياء المستحيل". إذا كانت سورة الكهف قد علّمتنا الصّبر على الأقدار الغيبيّة، فإنّ سورة مريم تعلّمنا اليقين في القدرة الإلهيّة عندما تتعارض مع القوانين المادّيّة المألوفة.
من النّاحية المنطقيّة والتّحليليّة، تُبنى السّورة على "خرق العادات" لتمجيد الله الواحد الأحد الصّمد "مسبّب الأسباب"، وتكرّر صفة {الرَّحْمَن} بشكل لافت لصبغ الوجود بصبغة الرّحمة.
أوّلاً: منطق "الاستجابة" (قصّة زكريّا عليه السّلام)
تبدأ السّورة بذكر رحمة الله بعبده زكريّا عليه السّلام: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}.
التّحليل المنطقيّ للموانع: (وهن العظم + اشتعال الشّيب + عقم الزّوجة). هذه معطيات بيولوجيّة تؤدّي في المنطق المادّيّ إلى نتيجة واحدة: "مستحيل".
الرّدّ الإلهيّ: {قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}.
الاستنتاج: "الهيّن" و"الصّعب" هي مصطلحات بشريّة نسبيّة؛ أمّا في المنطق المطلق، فإنّ إيجاد الوجود من العدم (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) أصعب منطقيّاً من إصلاح عطل بيولوجيّ.(ولله المثل الأعلى حيث أنّ الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله كلّ شيء عنده بكلمة "كن" لكنّه يخاطب الإنسان المحدود الفهم بما يقرّب إليه الصّورة)
ثانياً: معجزة "الخلق" (قصّة مريم وعيسى عليهما السّلام)
تنتقل السّورة إلى "شيء من أعجب خوارق العادة" في التّاريخ البشريّ: ولادة عيسى عليه السّلام من غير أب.
التّحليل المنطقيّ: الله خلق آدم عليه السّلام بلا أب ولا أمّ، وحوّاء عليها السّلام من ضلع آدم عليه السّلام، والبشر من أب وأمّ. بقي الاحتمال الرّابع منطقيّاً: مولود من أمّ بلا أب.
الهدف: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا}.
الاستنتاج: المعجزة هنا هي "برهان رياضيّ" على طلاقة القدرة، لتذكير الإنسان بأنّ القوانين الطبيعيّة هي "عادة" وليست "حتميّة" تقيّد الخالق.
ثالثاً: منطق "البنوّة" والتّوحيد
واجهت السّورة قضيّة "نسبة الولد لله جلّ وعلا" بمنطق حاسم وعنيف: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}.
التّحليل الفلسفيّ: الولد يُطلب للاستقواء أو لاستمرار الذّكر (حاجة). الإله المطلق غنيّ عن الحاجة والشّبيه.
المنطق القرءانيّ: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}. العبوديّة المطلقة لله سبحانه وتعالى جلّ جلاله هي العلاقة المنطقيّة الوحيدة بين المخلوق (المحدود) و الله جلّ وعلا (المطلق).
رابعاً: سيكولوجيّة الحوار (إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم وأبوه آزر)
تستعرض السّورة أرقى حوار تربويّ بين إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم وأبيه الكافر.
التّحليل: إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم يستخدم لغة العقل {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}، ولغة العاطفة {يَا أَبَتِ}. والأب يردّ بلغة التّهديد {لَأَرْجُمَنَّكَ}.
الاستنتاج المنطقيّ: الحقّ يمتلك "الحجّة" فيستخدم الرّفق، والباطل يفتقر للبرهان فيلجأ لـ "القوّة" والبطش.
خامساً: قانون "المودّة" (الخاتمة)
تختتم السّورة بقاعدة اجتماعيّة ونفسيّة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.
المنطق: القبول في الأرض ليس بـ "البروباجندا" الزّائفة، بل هو "أثر جانبيّ" طبيعيّ ونورانيّ للاستقامة، حيث يزرع الله المحبّة في قلوب الخلق للصّادقين.
جدول الاستنتاج المنطقيّ لسورة مريم:
الظّاهرة__القانون المستنبط__الدّرس المعرفيّ
يحيى وزكريّا عليهما السّلام__تجاوز العجز المادّيّ__الأمل في الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله "مسبّب الأسباب"
مريم وعيسى عليهما السّلام__كمال القدرة الإلهيّة__كسر صنميّة القوانين الطبيعيّة
إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم وأبوه آزر_برّ الوالدين وأدب الاختلاف__فضل الحجّة العقليّة على القمع
تكرار (الرّحمن)__شموليّة الرّحمة للكون__العالم قائم على الفضل لا على العدل المحض
الخلاصة التّحليليّة لسورة مريم:
سورة مريم هي سورة "الدّهشة واليقين". تخبرنا أنّ المستحيل كلمة توجد في قاموس البشر فقط، وأنّ الله "حنان من لدن" كلّ من انقطعت به السّبل. هي سورة تعلّمك أنّ تكون "برّاً" (بوالديك) و"تقيّاً" (مع خالقك) و"هيّناً" (مع الخلق)، لتستحقّ مودّة الرّحمن.
هذا والله سبحانه وتعالى جلّ جلاله صاحب العلم المطلق أعلم.
يتبع إن شاء الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|