عرض مشاركة واحدة
  #28  
قديم 2026-03-08, 10:01 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ طه، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِينَاسِ" وَ"التَّثْبِيتِ النَّفْسِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ قَدْ رَكَزَتْ عَلَى مَنْطِقِ الرَّحْمَةِ وَالْبُنُوَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ طه تُرَكِّزُ عَلَى أَدَبِ اللِّقَاءِ مَعَ اللَّهِ وَكَيْفِيَّةِ صِنَاعَةِ الْقَائِدِ الرَّسَالِيِّ (مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِمُوَاجَهَةِ أَطْغَى أَهْلِ الْأَرْضِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنَفْيِ "الشَّقَاءِ" عَنِ الْوَحْيِ: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}. هَذَا يَعْنِي مَنْطِقِيّاً أَنَّ الْغَايَةَ الْوُجُودِيَّةَ لِلدِّينِ هِيَ "السَّعَادَةُ" وَ"التَّوَازُنُ"، وَأَنَّ أَيَّ فَهْمٍ لِلدِّينِ يُؤَدِّي إِلَى الشَّقَاءِ هُوَ فَهْمٌ مُنْحَرِفٌ عَنْ مَقْصِدِ السُّورَةِ.

فِي قِصَّةِ مُوسَى، نَجِدُ تَسَلْسُلًا مَنْطِقِيًّا فِي "الصِّنَاعَةِ الْإِلَهِيَّةِ". يَبْدَأُ الْأَمْرُ بِالْإِينَاسِ عَبْرَ "النَّارِ" الَّتِي رَآهَا مُوسَى، وَهِيَ رَمْزٌ لِلْقُبْسِ وَالْهُدَى فِي لَيْلِ التِّيهِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ الْخِطَابُ إِلَى تَعْرِيفِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، ثُمَّ إِلَى تَدْرِيبِ مُوسَى عَلَى الْقُوَّةِ عَبْرَ "الْعَصَا" الَّتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى حَيَّةٍ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ كَسْرُ هَيْبَةِ الْمَادَّةِ فِي نَفْسِ مُوسَى قَبْلَ أَنْ يُوَاجِهَ جَبَرُوتَ فِرْعَوْنَ.

عِنْدَ الْمُوَاجَهَةِ، طَلَبَ مُوسَى أَدَوَاتِ "التَّأْثِيرِ": {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي}. هَذَا يُؤَسِّسُ لِمَنْطِقِ "الْبَيَانِ"؛ فَالْقَضِيَّةُ الْحَقَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى لِسَانٍ فَصِيحٍ وَقَلْبٍ مَشْرُوحٍ لِتَصِلَ إِلَى عُقُولِ النَّاسِ. وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ الْقُوَّةَ الْمَنْطِقِيَّةَ لِلْحُجَّةِ تَتَطَلَّبُ وُضُوحًا فِي الْعَرْضِ.

أَمَّا فِي قِصَّةِ السَّحَرَةِ، فَنَحْنُ نَرَى مَنْطِقَ "الِانْقِلَابِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَبِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَى أَهْلُ الِاخْتِصَاصِ (السَّحَرَةُ) بِيَقِينٍ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مُوسَى لَيْسَ سِحْرًا، تَحَوَّلُوا فِي لَحْظَةٍ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلسُّلْطَةِ إِلَى التَّضْحِيَةِ بِالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُولُ إِنَّ "الْعِلْمَ" هُوَ أَقْصَرُ طَرِيقٍ لِلْإِيمَانِ الصَّادِقِ.

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَحْلِيلِ "فِتْنَةِ السَّامِرِيِّ"، وَهِيَ تُمَثِّلُ الِانْكِسَارَ الْمَنْطِقِيَّ لِلْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ عِنْدَمَا يَرْتَدُّ مِنَ التَّوْحِيدِ الْمُجَرَّدِ إِلَى عِبَادَةِ "الْعِجْلِ" (الْمَادَّةِ الَّتِي لَهَا صَوْتٌ). السَّامِرِيُّ اسْتَغَلَّ غِيَابَ الْقَائِدِ (مُوسَى) لِيُتَلَاعِبَ بِخَيَالِ الْعَامَّةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي لَا يَرْتَكِزُ عَلَى وَعْيٍ عَمِيقٍ يَسْهُلُ اخْتِطَافُهُ بِالشَّعْوَذَةِ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ خَلْقِ آدَمَ وَنِسْيَانِهِ، لِتُقَرِّرَ قَاعِدَةً أَنْثُرُوبُولُوجِيَّةً: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}. هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ صِرَاعَ الْإِنْسَانِ لَيْسَ مَعَ نَقْصِ الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ مَعَ "ضَعْفِ الْعَزِيمَةِ" وَ"النِّسْيَانِ". وَالْعِلَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ الِاتِّصَالُ الدَّائِمُ بِالذِّكْرِ (الصَّلَاةِ) لِحِمَايَةِ الْعَقْلِ مِنَ الشَّتَاتِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ طه هِيَ سُورَةُ "الصِّنَاعَةِ عَلَى عَيْنِ اللَّهِ". تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْمُهِمَّةَ الرَّسَالِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى صَدْرٍ مَشْرُوحٍ، وَلِسَانٍ مُبِينٍ، وَصَبْرٍ عَلَى كَيْدِ السَّامِرِيِّينَ، وَأَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا "الذِّكْرِ" فَإِنَّ مَصِيرَهُ الْمَنْطِقِيَّ هُوَ "الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ" فِي الدُّنْيَا وَالْعَمَى فِي الْآخِرَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس