عرض مشاركة واحدة
  #29  
قديم 2026-03-08, 10:04 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَقِيقَةِ الْوَاحِدَةِ" وَ"الْمِيزَانِ الْعَدْلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ طه قَدْ رَكَزَتْ عَلَى الصِّنَاعَةِ الذَّاتِيَّةِ لِلنَّبِيِّ مُوسَى، فَإِنَّ سُورَةَ الْأَنْبِيَاءِ تَنْقُلُنَا إِلَى الْفِعْلِ الْجَمَاعِيِّ لِكُلِّ الرُّسُلِ عَبْرَ التَّارِيخِ، مُعْلِنَةً أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا مَحْكُومَةٌ بِنِظَامٍ وَاحِدٍ وَمَصِيرٍ حَتْمِيٍّ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِصَدْمَةٍ زَمَنِيَّةٍ: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}. هُنَا نَجِدُ تَنَاقُضًا بَيْنَ "الْحَقِيقَةِ الْخَارِجِيَّةِ" (اقْتِرَابِ النِّهَايَةِ) وَ"الْحَالَةِ الذِّهْنِيَّةِ" (الْغَفْلَةِ). الْمَنْطِقُ يَقُولُ إِنَّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ خَطَرٍ يَجِبُ أَنْ يَتَيَقَّظَ، لَكِنَّ الْإِعْرَاضَ هُنَا هُوَ "خَلَلٌ مَعْرِفِيٌّ" يَمْنَعُ الرَّبْطَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالنَّتِيجَةِ.

فِي "الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ دَلِيلًا مَنْطِقِيًّا قَاطِعًا عَلَى "التَّوْحِيدِ": {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}. هَذَا مَا يُسَمَّى فِي الْفَلْسَفَةِ بـ "بُرْهَانِ التَّمَانُعِ"؛ فَوُجُودُ أَكْثَرَ مِنْ إِرَادَةٍ مُطْلَقَةٍ يُؤَدِّي بِالضَّرُورَةِ إِلَى التَّصَادُمِ وَانْهِيَارِ النِّظَامِ. وَبِمَا أَنَّ الْكَوْنَ يَعْمَلُ بِاتِّسَاقٍ مُذْهِلٍ، فَالِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ "وَحْدَةُ الْمُدَبِّرِ".

تَتَنَاوَلُ السُّورَةُ أَيْضًا "النَّظَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ لِلْخَلْقِ" بِقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}. هَذَا يُشِيرُ مَنْطِقِيًّا إِلَى "الْوَحْدَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِلْمَادَّةِ" قَبْلَ الِانْفِجَارِ أَوْ التَّمَايُزِ الْكَوْنِيِّ. كَمَا تَقُولُ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْبِيُولُوجِيَّةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِكُلِّ كَائِنٍ.

فِي "الْمَسَارِ الْقَصَصِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ سِلْسِلَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (إِبْرَاهِيمَ، لُوطٍ، نُوحٍ، دَاوُدَ، سُلَيْمَانَ، أَيُّوبَ، إِسْمَاعِيلَ، إِدْرِيسَ، ذَا الْكِفْلِ، ذَا النُّونِ، زَكَرِيَّا). الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "تَنَوُّعُ الِابْتِلَاءَاتِ" مَعَ "وَحْدَةِ الِالتِجَاءِ"؛ فَكُلُّهُمْ نَادَوْا رَبَّهُمْ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ، مِمَّا يُثْبِتُ أَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْخَالِقِ هُوَ "الْمُتَغَيِّرُ الْمُسْتَقِلُّ" الَّذِي يَحْسِمُ النَّتَائِجَ فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ.

نَسْتَنْتِجُ مِنْ عَرْضِ السُّورَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ أَنَّ "الرِّسَالَةَ" هِيَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ مَهْمَا اخْتَلَفَتِ الْأَسْمَاءُ، وَأَنَّ "الْأُمَّةَ الْوَاحِدَةَ" هِيَ الْغَايَةُ مِنَ الدِّينِ. كَمَا تَنْفِي السُّورَةُ فِكْرَةَ "اللَّعِبِ الْكَوْنِيِّ" بِقَوْلِهِ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}؛ فَالْوُجُودُ مَحْكُومٌ بِالْقَصْدِ وَالْغَايَةِ، لَا بِالْعَبَثِ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الْجَزَاءِ الْمَحْتُومِ": {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، وَتَصِفُ اللَّحْظَةَ الْفِيزْيَائِيَّةَ لِنِهَايَةِ الْعَالَمِ: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}. هُنَا نَرَى أَنَّ الْكَوْنَ الَّذِي بَدَأَ مِنْ "رَتْقٍ" يَعُودُ إِلَى "طَيٍّ"، فِي دَوْرَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ كَامِلَةٍ تَبْدَأُ مِنَ اللَّهِ وَتَنْتَهِي إِلَيْهِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ سُورَةُ "الْمِيزَانِ الْكَوْنِيِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَقَّ "يَقْذِفُ" بِهِ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ، وَأَنَّ مَنْطِقَ الِانْتِصَارِ لَيْسَ بِالْكَثْرَةِ بَلْ بِالصِّدْقِ وَالِارْتِبَاطِ بِالْغَايَةِ الَّتِي خُلِقْنَا لِأَجْلِهَا، مُؤَكِّدَةً أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ "رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ" كَأَثَرٍ عَمَلِيٍّ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس