نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحَجِّ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاهْتِزَازِ وَالتَّمْكِينِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ رَكَزَتْ عَلَى الْمِيزَانِ الْكَوْنِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحَجِّ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْحَرَكَةِ الْبَشَرِيَّةِ" نَحْوَ مَرْكَزِ الْكَوْنِ (الْكَعْبَةِ)، وَتَرْبِطُ هَذِهِ الْحَرَكَةَ بِزَلْزَلَةِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَمْرٍ جَازِمٍ لِتَنْبِيهِ الْبَشَرِيَّةِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِارْتِجَاجِ"؛ فَالْكَوْنُ الْمُسْتَقِرُّ فِي أَعْيُنِنَا سَيَتَعَرَّضُ لِقُوَّةٍ فِيزْيَائِيَّةٍ تَجْعَلُ كُلَّ ذَاتِ حَمْلٍ تَضَعُ حَمْلَهَا. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ إِخْرَاجُ الْإِنْسَانِ مِنْ "رُتُوبَةِ الْعَادَةِ" لِيُدْرِكَ حَقِيقَةَ النِّهَايَةِ.
فِي "الْبُرْهَانِ الْبِيُولُوجِيِّ"، تَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى مَنْ يَشُكُّ فِي الْبَعْثِ بِمَنْطِقِ "التَّسَلْسُلِ الْجَنِينِيِّ": {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ...}. هَذَا الِاسْتِدْلَالُ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْبَدَاءَةَ أَصْعَبُ مِنَ الْإِعَادَةِ؛ فَمَنْ صَنَعَ الْحَيَاةَ مِنْ مَوَادَّ أَوْلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، قَادِرٌ مَنْطِقِيًّا عَلَى إِعَادَتِهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ. كَمَا تَسْتَدِلُّ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ بِالْمَاءِ، لِتُرِيَنَا أَنَّ "الْحَيَاةَ" كَامِنَةٌ تَنْتَظِرُ أَمْرَ التَّفْعِيلِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْحَجِّ"، فَهُوَ يُمَثِّلُ "الْمُؤْتَمَرَ الْعَالَمِيَّ" لِلْمُوَحِّدِينَ. السُّورَةُ تَعْرِضُ كَيْفَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَذَّنَ فِي النَّاسِ لِيَأْتُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "تَوْحِيدُ الْقِبْلَةِ" لِتَوْحِيدِ الْأَهْدَافِ؛ فَالْبَشَرُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِمْ يَدُورُونَ حَوْلَ مَرْكَزٍ وَاحِدٍ، مِمَّا يُلْغِي الْفَوَارِقَ الطَّبَقِيَّةَ وَالْعِرْقِيَّةَ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى "مَنْطِقِ الْقُوَّةِ وَالدِّفَاعِ"، حَيْثُ نَزَلَ أَوَّلُ إِذْنٍ بِالْقِتَالِ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}. هُنَا نُؤَسِّسُ لِمَبْدَأِ "الْجِهَادِ الدِّفَاعِيِّ"؛ فَالْإِسْلَامُ لَا يَدْعُو لِلْعُدْوَانِ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُ "الِاسْتِضْعَافَ". وَالْمَنْطِقُ السِّيَاسِيُّ الْعَبْقَرِيُّ هُنَا هُوَ: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ...}. أَيْ أَنَّ الْقُوَّةَ ضَرُورَةٌ لِحِمَايَةِ "حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ" لِلْجَمِيعِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ فَقَطْ.
فِي "نَقْدِ الْأَوْهَامِ"، تَضْرِبُ السُّورَةُ مَثَلًا مَنْطِقِيًّا يَسْحَقُ الْكِبْرِيَاءَ الزَّائِفَ: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّعْجِيزِ بِالْأَصْغَرِ"؛ فَالْعَجْزُ عَنْ خَلْقِ أَحْقَرِ الْكَائِنَاتِ يَسْلِبُ صِفَةَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ أَيِّ مُدَّعٍ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونُوا "شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"، بَعْدَ أَنِ اجْتَبَاهُمُ اللَّهُ وَمَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُوَ أَنَّ "الْوَلَايَةَ لِلَّهِ" هِيَ الْمَعْقِلُ الْأَخِيرُ: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحَجِّ هِيَ سُورَةُ "الِانْتِقَالِ مِنَ الِاضْطِرَابِ إِلَى الِاسْتِقْرَارِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ طَرِيقَ الْوُصُولِ إِلَى اللَّهِ يَحْتَاجُ إِلَى "قَلْبٍ مُخْبِتٍ"، وَأَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْأَرْضِ مَشْرُوطَةٌ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ النَّصْرَ الْإِلَهِيَّ مَرْهُونٌ بِمَدَى نَصْرِ الْإِنْسَانِ لِلْقِيَمِ الْعُلْيَا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|