عرض مشاركة واحدة
  #31  
قديم 2026-03-08, 10:07 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ، وَهِيَ سُورَةُ "الِاسْتِحْقَاقِ" وَ"الْفَلَاحِ النَّهَائِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحَجِّ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحَرَكَةِ الْجَمَاعِيَّةِ نَحْوَ الْمَرْكَزِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْمُؤْمِنُونَ تَرْسُمُ الْمُوَاصَفَاتِ الْفَرْدِيَّةَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ دُخُولَ "الْفِرْدَوْسِ".

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِجُمْلَةٍ تَقْرِيرِيَّةٍ قَاطِعَةٍ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. اسْتِخْدَامُ فِعْلِ الْمَاضِي (أَفْلَحَ) مَعَ حَرْفِ التَّحْقِيقِ (قَدْ) يُفِيدُ مَنْطِقِيًّا أَنَّ النَّتِيجَةَ مَحْسُومَةٌ سَلَفًا، وَأَنَّ "الْفَلَاحَ" لَيْسَ مُجَرَّدَ أَمَلٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ وَاقِعَةٌ لِمَنْ يَمْلِكُ الْمُقَدِّمَاتِ الصَّحِيحَةَ.

فِي "مَنْطِقِ الْبِنَاءِ الشَّخْصِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْظُومَةً مِنَ السُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تُمَثِّلُ "أَرْكَانَ النَّجَاحِ": الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ (الِاتِّصَالُ الذِّهْنِيُّ)، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّغْوِ (حِمَايَةُ الْوَقْتِ وَالْعَقْلِ مِنَ الْمُدْخَلَاتِ التَّافِهَةِ)، وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْأَمَانَاتِ (الْمَوْثُوقِيَّةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُولُ إِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ، بَلْ هُوَ "نِظَامُ تَشْغِيلٍ" يُدِيرُ كُلَّ حَرَكَةِ الْإِنْسَانِ.

أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْأَنْثُرُوبُولُوجِيِّ"، فَتُفَصِّلُ السُّورَةُ مَرَاحِلَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً...}. هَذَا التَّسَلْسُلُ الْمَنْطِقِيُّ الدَّقِيقُ يَهْدِفُ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الَّذِي رَعَى الْإِنْسَانَ فِي ظُلُمَاتِ الرَّحِمِ وَنَقَلَهُ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَهُ "عَبَثًا" بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الدُّنْيَا. الِاسْتِنْتَاجُ هُنَا هُوَ: التَّصْمِيمُ الْمُحْكَمُ يَقْتَضِي غَايَةً مُحْكَمَةً.

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ إِلَى "مَنْطِقِ التَّارِيخِ" عَبْرَ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، مُرَكِّزَةً عَلَى رَدِّ فِعْلِ الْمُتْرَفِينَ: {مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. هَذَا "الْمَنْطِقُ الْمَادِّيُّ" الْقَاصِرُ يَقِيسُ الرِّسَالَةَ بِـ "الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ" لِلرَّسُولِ، بَيْنَمَا يَقِيسُهَا الْقُرْآنُ بـ "صِدْقِ الْحُجَّةِ". وَتُؤَكِّدُ السُّورَةُ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ جَاءُوا لِأُمَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِـ "رِزْقٍ طَيِّبٍ".

فِي "نَقْدِ الْعَبَثِيَّةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ السُّؤَالَ الْفَلْسَفِيَّ الْجَوْهَرِيَّ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ؟}. هُنَا يَتَصَادَمُ مَنْطِقُ "الْعَدَمِيَّةِ" مَعَ مَنْطِقِ "الْحِكْمَةِ". فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ هُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ، فَإِنَّ الْعَبَثَ فِي فِعْلِهِ مُحَالٌ مَنْطِقِيًّا. وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ يَوْمٍ لِلْحِسَابِ تُرَدُّ فِيهِ الْمَظَالِمُ وَتُوزَنُ فِيهِ الْأَعْمَالُ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِتَصْوِيرِ مَشْهَدِ الْمِيزَانِ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. هَذَا التَّعْبِيرُ "ثِقَلُ الْمِيزَانِ" يُحَوِّلُ الْأَعْمَالَ الْمَعْنَوِيَّةَ إِلَى "قِيَمٍ فِيزْيَائِيَّةٍ" لَهَا وَزْنٌ، مِمَّا يُعَزِّزُ فِكْرَةَ أَنَّ لِكُلِّ فِعْلٍ أَثَرًا حَقِيقِيًّا فِي مَصِيرِ الْإِنْسَانِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْجَوْهَرِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْفَلَاحَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَبْدَأُ مِنْ طَهَارَةِ الْجَسَدِ وَالنَّفْسِ، وَتَمُرُّ بِدِقَّةِ النَّظَرِ فِي الْخَلْقِ، وَتَنْتَهِي بِالْيَقِينِ الْمُطْلَقِ بِأَنَّ هَذَا الْوُجُودَ لَيْسَ سُدًى، وَأَنَّ الْفَوْزَ الْكَبِيرَ مَرْهُونٌ بِـ "الِاسْتِقَامَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس