نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النُّورِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْعِفَّةِ" وَ"التَّنْوِيرِ الِاجْتِمَاعِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ رَسَمَتْ الْمُوَاصَفَاتِ الذَّاتِيَّةَ لِلْفَلَاحِ، فَإِنَّ سُورَةَ النُّورِ تَنْتَقِلُ لِبِنَاءِ السِّيَاجِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي يَحْمِي تِلْكَ الشَّخْصِيَّةَ، وَتَضَعُ الْقَوَانِينَ الدَّقِيقَةَ لِحِفْظِ الْأَعْرَاضِ وَطَهَارَةِ الْبُيُوتِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانٍ حَازِمٍ: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}. هَذَا الِاسْتِهْلَالُ يُعْطِي صِبْغَةً "قَانُونِيَّةً" مُلْزِمَةً لِكُلِّ التَّشْرِيعَاتِ الْآتِيَةِ؛ فَالْأَمْرُ هُنَا لَيْسَ تَوْجِيهًا وِعْظِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ "دَسْتُورٌ عَمَلِيٌّ" لِحِمَايَةِ النَّسِيجِ الْمُجْتَمَعِيِّ مِنَ التَّهَلُّكِ.
فِي "مَنْطِقِ الْحِمَايَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ"، تَتَعَامَلُ السُّورَةُ مَعَ جَرِيمَةِ "الْقَذْفِ" بِصَرَامَةٍ بَالِغَةٍ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُولُ إِنَّ حِمَايَةَ "سُمْعَةِ الْإِنْسَانِ" لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ حِمَايَةِ حَيَاتِهِ. وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ حَادِثَةُ "الْإِفْكِ" لِتُعَلِّمَ الْمُجْتَمَعَ كَيْفِيَّةَ التَّعَامُلِ مَعَ الشَّائِعَاتِ: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}. هَذَا هُوَ "مَنْطِقُ حُسْنِ الظَّنِّ" كَخَطِّ دِفَاعٍ أَوَّلَ ضِدَّ الِانْهِيَارِ الْأَخْلَاقِيِّ.
أَمَّا فِي "آدَابِ الْبُيُوتِ"، فَتَضَعُ السُّورَةُ "نِظَامَ الِاسْتِئْذَانِ" كَأَدَاةٍ لِحِفْظِ الْخُصُوصِيَّةِ وَالْبَصَرِ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ يَرْبِطُ بَيْنَ "غَضِّ الْبَصَرِ" وَبَيْنَ "النُّورِ"؛ فَكُلَّمَا انْكَفَّتِ الْجَوَارِحُ عَنِ الْحَرَامِ، ازْدَادَ النُّورُ الْفِطْرِيُّ فِي الْقَلْبِ. لِذَا، جَاءَتْ "آيَةُ النُّورِ" بَعْدَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مُبَاشَرَةً، لِتُبَيِّنَ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُجْتَمَعِ هِيَ الشَّرْطُ الْأَسَاسِيُّ لِتَجَلِّي النُّورِ الْإِلَهِيِّ.
فِي مَشْهَدٍ مَنْطِقِيٍّ بَدِيعٍ، تُقَارِنُ السُّورَةُ بَيْنَ "أَعْمَالِ الْكُفَّارِ" وَبَيْنَ "الْحَقِيقَةِ". تَصِفُ أَعْمَالَهُمْ كـ "سَرَابٍ" يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، أَوْ كـ "ظُلُمَاتٍ" فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْعَدَمِيَّةِ"؛ فَأَيُّ فِعْلٍ لَا يَرْتَبِطُ بِخَالِقِ النُّورِ هُوَ فِعْلٌ "تَائِهٌ" لَا نَتِيجَةَ لَهُ، تَمَامًا كَالْبَحْثِ عَنْ شَيْءٍ فِي ظُلْمَةٍ حَالِكَةٍ.
أَمَّا النُّورُ، فَتَصِفُهُ السُّورَةُ بِأَنَّهُ يَكُونُ فِي {بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ" وَ"بِنَاءِ الرِّجَالِ" الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. هَؤُلَاءِ هُمُ الْحَوَامِلُ الْحَقِيقِيَّةُ لِنُورِ الْوَحْيِ فِي الْأَرْضِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِالتَّأْكِيدِ عَلَى "الْمِلْكِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلَّهِ" وَعَلَى "وَاجِبِ الطَّاعَةِ" لِلرَّسُولِ، مُحَذِّرَةً مَنْ يُخَالِفُ عَنْ أَمْرِهِ مِنْ "فِتْنَةٍ" أَوْ "عَذَابٍ أَلِيمٍ". هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْضِبَاطِ" الَّذِي يَخْتِمُ السُّورَةَ؛ فَالنُّورُ يَحْتَاجُ إِلَى نِظَامٍ لِيَسْتَمِرَّ وَلَا يَنْطَفِئَ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النُّورِ هِيَ سُورَةُ "النَّظَافَةِ الْحَضَارِيَّةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلًا لِلنُّورِ، وَأَنَّ هَذَا النُّورَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِـ "تَشْرِيعَاتٍ صَارِمَةٍ" تَحْمِي الْأُسْرَةَ، وَ"آدَابٍ رَفِيعَةٍ" تُنَظِّمُ الْعَلَاقَاتِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ اللَّهَ هُوَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|