نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمِعْيَارِ" وَ"التَّمْيِيزِ الْحَاسِمِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النُّورِ قَدْ رَسَمَتْ الْمَنْظُومَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لِلْمُجْتَمَعِ الطَّاهِرِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْفُرْقَانِ تَنْتَقِلُ لِبِنَاءِ الْمَنْظُومَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ، وَتَضَعُ الْفَاصِلَ الْمَنْطِقِيَّ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْوَهْمِ، وَبَيْنَ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَبْجِيلِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَنْزَلَتِ الْفُرْقَانَ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}. هَذَا الِاسْتِهْلَالُ يُعَرِّفُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ "أَدَاةُ تَفْرِيقٍ" مَنْطِقِيَّةٍ؛ فَالْفُرْقَانُ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَشَابِهَاتِ وَيَكْشِفُ زَيْفَ الِادِّعَاءَاتِ، مِمَّا يَجْعَلُ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ قَادِرًا عَلَى الْحُكْمِ الصَّحِيحِ.
فِي "تَحْلِيلِ الشُّبُهَاتِ الْمَادِّيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَنْطِقَ الْمُشْرِكِينَ الْقَاصِرَ: {مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}. هَؤُلَاءِ حَصَرُوا "الرِّسَالَةَ" فِي مَظَاهِرَ "الْقُوَّةِ الْخَارِقَةِ" أَوِ "الْمَلَكِيَّةِ". الرَّدُّ الْمَنْطِقِيُّ جَاءَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الرَّسُولَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "بَشَرًا" لِيُقَدِّمَ "نَمُوذَجًا تَطْبِيقِيًّا" يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْبَشَرِيَّةِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ مَنْطِقِ الِاخْتِبَارِ: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}.
أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ"، فَتَدْعُو السُّورَةُ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي "الظِّلِّ" وَتَحَوُّلَاتِهِ، وَفِي "اللَّيْلِ" وَ"النَّهَارِ"، وَفِي "الرِّيَاحِ" وَ"الْمَطَرِ". الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "نِظَامِ التَّسْخِيرِ"؛ فَكُلُّ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ تَعْمَلُ بِتَنَاغُمٍ لِخِدْمَةِ الْحَيَاةِ، وَهَذَا الِاتِّسَاقُ هُوَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى وُجُودِ "الْمُقَدِّرِ" الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِنَقْدِ "تَأْلِيهِ الْهَوَى": {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}. هَذَا هُوَ أَدَقُّ تَشْخِيصٍ لِلضَّلَالِ الْمَنْطِقِيِّ؛ فَعِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الْمَزَاجُ الشَّخْصِيُّ إِلَى مَرْجِعِيَّةٍ عُلْيَا، يَفْقِدُ الْإِنْسَانُ بَوْصَلَةَ الْفُرْقَانِ وَيُصْبِحُ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُوَ أَضَلُّ سَبِيلًا، لِأَنَّهُ عَطَّلَ مَلَكَةَ التَّمْيِيزِ الْعَقْلِيَّةِ.
فِي خِتَامِ السُّورَةِ، تَرْسُمُ السُّورَةُ أَرْقَى "نَمُوذَجٍ بَشَرِيٍّ" وَهُمْ {عِبَادُ الرَّحْمَنِ}. الْمَنْطِقُ السُّلُوكِيُّ لِهَؤُلَاءِ يَتَمَيَّزُ بِالتَّوَازُنِ: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (تَوَاضُعٌ مَعَ الْخَلْقِ)، وَيَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (إِخْلَاصٌ مَعَ الْخَالِقِ)، وَإِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا (تَوَازُنٌ مَالِيٌّ)، وَلَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ (تَوْحِيدٌ مَعْرِفِيٌّ).
نَسْتَنْتِجُ مِنْ هَذَا الْعَرْضِ أَنَّ الْفُرْقَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ، بَلْ هُوَ "تَحَوُّلٌ وُجُودِيٌّ" يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مِعْيَارًا لِلْقِيَمِ فِي حَرَكَتِهِ الْيَوْمِيَّةِ. وَتَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ قِيمَةِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ خَالِقِهِ: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الصِّلَةِ"؛ فَالْإِنْسَانُ يَكْتَسِبُ قِيمَتَهُ مِنْ مَدَى ارْتِبَاطِهِ بِالْمُطْلَقِ وَلُجُوئِهِ إِلَيْهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْفُرْقَانِ هِيَ سُورَةُ "بِنَاءِ الْمِعْيَارِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْكَشَّافُ الَّذِي يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ الشُّبُهَاتِ، وَأَنَّ الصِّفَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةَ لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ هِيَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلِيَّةُ لِهَذَا الْفُرْقَانِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرُّقِيِّ الْإِنْسَانِيِّ وَالِانْحِطَاطِ يَكْمُنُ فِي اتِّبَاعِ الْوَحْيِ أَوْ عِبَادَةِ الْهَوَى.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|