نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْبَيَانِ الْمُبِينِ" وَ"صِرَاعِ الْقِيَمِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفُرْقَانِ قَدْ رَسَمَتْ الْمِعْيَارَ الْمَعْرِفِيَّ، فَإِنَّ سُورَةَ الشُّعَرَاءِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ أَدَوَاتِ التَّأْثِيرِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ "الْوَحْيِ الرَّبَّانِيِّ" وَ"الْخَيَالِ الْبَشَرِيِّ"، مَعَ عَرْضٍ تَكْرَارِيٍّ مُقْصِدٍ لِنِهَايَاتِ الطُّغَاةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِبَيَانِ طَبِيعَةِ النَّصِّ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}. هَذَا الِاسْتِهْلَالُ يُعَزِّزُ مَنْطِقَ "الْوُضُوحِ"؛ فَالْحَقُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَاسِمَ، بَلْ إِلَى بَيَانٍ يَكْشِفُ الْحَقَائِقَ. وَتُوَاسِي السُّورَةُ الرَّسُولَ ﷺ فِي حِرْصِهِ عَلَى هِدَايَةِ النَّاسِ، مُبَيِّنَةً أَنَّ الْإِيمَانَ قَرَارٌ عَقْلِيٌّ وَقَلْبِيٌّ لَا يُؤْخَذُ بِالْإِكْرَاهِ.
فِي "الْمَنْهَجِ الْقَصَصِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ سَبْعَ قِصَصٍ (مُوسَى، إِبْرَاهِيمَ، نُوحٍ، هُودٍ، صَالِحٍ، لُوطٍ، شُعَيْبٍ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَعْتَمَدُ عَلَى "وَحْدَةِ السِّيَاقِ"؛ فَكُلُّ نَبِيٍّ يَبْدَأُ بِدَعْوَةِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ، وَكُلُّ قَوْمٍ يَرُدُّونَ بِالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ مِنْ هَذَا التَّكْرَارِ هُوَ أَنَّ "الْعَقْلِيَّةَ الْمُكَذِّبَةَ" وَاحِدَةٌ عَبْرَ الْعُصُورِ، وَأَنَّ "السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ" فِي إِهْلَاكِ الظَّالِمِينَ لَا تَتَبَدَّلُ.
فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ، نَرَى مَنْطِقَ "الْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ" مُقَابِلَ "تَهْدِيدِ السُّلْطَةِ". فِرْعَوْنُ لَمْ يَجِدْ رَدًّا عَلَى بَرَاهِينِ مُوسَى إِلَّا السَّجْنَ، وَهَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَاجِزِ" عَنِ الْحِوَارِ. وَتُظْهِرُ السُّورَةُ انْتِصَارَ "الْيَقِينِ" عِنْدَ السَّحَرَةِ الَّذِينَ لَمْ تُرْهِبْهُمْ سَطْوَةُ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أَنْ أَبْصَرُوا الْحَقِيقَةَ.
أَمَّا فِي خِتَامِ السُّورَةِ، فَتَأْتِي التَّفْرِقَةُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَيْنَ "النَّبِيِّ" وَ"الشَّاعِرِ". الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَصْدَرَيْنِ لِلْقَوْلِ: الشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، وَهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (تَقَلُّبٌ وَخَيَالٌ)، وَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (تَنَاقُضٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ). أَمَّا الْوَحْيُ، فَهُوَ صَادِقٌ، ثَابِتٌ، مُرْتَبِطٌ بِالْفِعْلِ، وَتَنْزِلُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ لَا الشَّيَاطِينُ.
نَسْتَنْتِجُ مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ أَنَّ "الْكَلِمَةَ" مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ كَلِمَةً رَسَالِيَّةً تَبْنِي الْأُمَمَ، أَوْ كَلِمَةً شَاعِرِيَّةً تَهِيمُ فِي أَوْدِيَةِ الْغَيِّ. وَتَضَعُ السُّورَةُ اسْتِثْنَاءً مَنْطِقِيًّا لِلشُّعَرَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، لِتُبَيِّنَ أَنَّ الْأَدَبَ وَالْبَيَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا سِلَاحًا لِلْحَقِّ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الشُّعَرَاءِ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ اللَّهْجَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِزَخْرَفَةِ الْقَوْلِ، بَلْ بِمَدَى مُطَابَقَتِهِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْوَاقِعِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الظَّالِمِينَ سَيَعْلَمُونَ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْعَدَالَةِ النَّهَائِيَّةِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|