نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ النَّمْلِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْعِلْمِ وَالتَّمْكِينِ" وَ"التَّسْخِيرِ الْإِلَهِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبَيَانِ، فَإِنَّ سُورَةَ النَّمْلِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْقُوَّةِ الْعَالِمَةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الْعِلْمُ إِلَى أَدَاةٍ لِتَوْحِيدِ الْبَشَرِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِذِكْرِ "الْكِتَابِ الْمُبِينِ" وَبُشْرَاهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ مُبَاشَرَةً إِلَى قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاعْتِرَافِ بِالْفَضْلِ"؛ فَالْعِلْمُ (الَّذِي أُوتِيَ لَهُمَا) هُوَ أَسَاسُ التَّفْضِيلِ وَالتَّمْكِينِ، وَلَيْسَ الْقُوَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ الْمَحْضَةَ.
فِي "تَحْلِيلِ الدَّوْلَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ"، نَرَى مَنْطِقَ "التَّوَاصُلِ الشَّامِلِ" مَعَ الْكَائِنَاتِ. قِصَّةُ "النَّمْلَةِ" الَّتِي حَذَّرَتْ قَوْمَهَا تُثْبِتُ أَنَّ هُنَاكَ "عَقْلًا" وَ"لُغَةً" حَتَّى فِي أَصْغَرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّ الْقَائِدَ الْعَادِلَ (سُلَيْمَانَ) يَسْتَمِعُ لِأَضْعَفِ الْأَصْوَاتِ. وَفِي قِصَّةِ "الْهُدْهُدِ"، نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمَعْلُومَةِ الِاسْتِخْبَارِيَّةِ"؛ فَالْهُدْهُدُ قَدَّمَ "خَبَرًا يَقِينًا" عَنْ سَبَأٍ، مِمَّا دَفَعَ سُلَيْمَانَ لِاتِّخَاذِ قَرَارٍ دِبْلُومَاسِيٍّ وَدَعَوِيٍّ كَبِيرٍ.
أَمَّا فِي "الْمُوَاجَهَةِ مَعَ مَلِكَةِ سَبَأٍ"، فَنَرَى مَنْطِقَ "الْإِبْهَارِ الْعِلْمِيِّ" لِلْوُصُولِ إِلَى الْقَنَاعَةِ الْإِيمَانِيَّةِ. سُلَيْمَانُ لَمْ يَسْتَخْدِمِ الْحَرْبَ أَوَّلًا، بَلِ اسْتَخْدَمَ "تَقْنِيَّةَ نَقْلِ الْعَرْشِ" وَ"صَرْحَ الزُّجَاجِ". الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُنَا هُوَ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُتَفَوِّقَ يَكْسِرُ كِبْرِيَاءَ الْمَادَّةِ؛ فَعِنْدَمَا رَأَتْ بِلْقِيسُ أَنَّ إِمْكَانَاتِ سُلَيْمَانَ تَتَجَاوَزُ الْمَأْلُوفَ، أَدْرَكَتْ بِعَقْلِهَا أَنَّ هَذَا تَأْيِيدٌ إِلَهِيٌّ، فَقَالَتْ: {أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
فِي "الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ" لِلْخَلْقِ، تَتَكَرَّرُ فِي السُّورَةِ آيَاتُ {أَمَّنْ خَلَقَ...}، مَتْبُوعَةً بِسُؤَالٍ تَوْبِيخِيٍّ مَنْطِقِيٍّ: {أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ}. هَذَا الِاسْتِفْهَامُ يُحَاصِرُ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ؛ فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ، وَأَنْزَلَ الْمَاءَ، وَجَعَلَ لِلْأَرْضِ قَرَارًا، وَيُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، هُوَ الْوَحِيدُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ مَنْطِقِيًّا. أَيُّ شَرِيكٍ آخَرَ هُوَ "فَرْضِيَّةٌ بَاطِلَةٌ" لَا تَقُومُ عَلَى دَلِيلٍ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ مَصِيرِ "دَابَّةِ الْأَرْضِ" الَّتِي تُكَلِّمُ النَّاسَ عِنْدَ اقْتِرَابِ النِّهَايَةِ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْآيَةِ الْخِتَامِيَّةِ" لِمَنْ رَفَضَ الْآيَاتِ الْعَقْلِيَّةَ وَالْبَيَانِيَّةَ. نَسْتَنْتِجُ مِنْ هَذَا الْعَرْضِ أَنَّ الْقُرْآنَ يُقَدِّرُ الْعِلْمَ وَيَجْعَلُهُ سَبِيلًا لِلْهِدَايَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ (مِنَ النَّمْلَةِ إِلَى الْهُدْهُدِ إِلَى الْإِنْسَانِ) هُوَ جُزْءٌ مِنْ نِظَامِ التَّسْبِيحِ وَالْعُبُودِيَّةِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ النَّمْلِ هِيَ سُورَةُ "سِيَادَةِ الْعِلْمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ التَّفَوُّقَ الْمَادِّيَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا بِقِيَمِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ غَايَةً بَلْ وَسِيلَةٌ لِنَشْرِ الْعَدْلِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ سَيُرِي خَلْقَهُ آيَاتِهِ فَيَعْرِفُونَهَا، وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|