نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْقَصَصِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْغَلَبَةِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ" وَ"تَهَاوِي الْقُوى الْمَادِّيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ النَّمْلِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّمْكِينِ بِالْعِلْمِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْقَصَصِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّمْكِينِ بِالْقَدَرِ، حَيْثُ يُصْنَعُ النَّصْرُ مِنْ رَحِمِ الْمَأْسَاةِ، وَيُهْزَمُ الْجَبَرُوتُ بِأَضْعَفِ الْأَدَوَاتِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ "قَانُونِ الِاسْتِخْلَافِ": {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمُفَارَقَةِ"؛ فَفِرْعَوْنُ يَسْتَخْدِمُ "قُوَّةَ الْبَطْشِ" لِيَمْنَعَ قَدَرَ اللَّهِ، لَكِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ نِهَايَةَ فِرْعَوْنَ تَبْدَأُ مِنْ مَنْزِلِهِ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ أَنَّ "التَّدْبِيرَ الْإِلَهِيَّ" يَخْتَرِقُ أَقْوَى التَّحْصِينَاتِ الْبَشَرِيَّةِ.
فِي "تَحْلِيلِ الشَّخْصِيَّةِ الْقِيَادِيَّةِ" لِمُوسَى، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَرَاحِلَ التَّكْوِينِ: مِنَ "الْقَذْفِ فِي الْيَمِّ" (الِانْقِطَاعِ عَنِ الْأَسْبَابِ)، إِلَى "الْغُرْبَةِ فِي مَدْيَنَ" (التَّرْبِيَةِ عَلَى الْعَمَلِ وَالصَّبْرِ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ فِي حِوَارِ مُوسَى مَعَ شَيْخِ مَدْيَنَ يُؤَسِّسُ لِـ "مِعْيَارِ التَّوَظِيفِ": {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْكَفَاءَةِ" (الْقُوَّةِ) مَمْزُوجًا بِـ "الْأَخْلَاقِ" (الْأَمَانَةِ)، وَهُوَ أَسَاسُ نَجَاحِ أَيِّ مَنْظُومَةٍ بَشَرِيَّةٍ.
أَمَّا فِي "نَقْدِ الطُّغْيَانِ الْمَالِيِّ"، فَتَبْرُزُ قِصَّةُ "قَارُونَ": {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِعْلَاءِ بِالْمَعْرِفَةِ" وَنِسْبَةِ الْفَضْلِ لِلذَّاتِ. قَارُونُ ظَنَّ أَنَّ الْمَالَ قُوَّةٌ ذَاتِيَّةٌ تَحْمِيهِ، لَكِنَّ الْخَسْفَ بِهِ وَبِدَارِهِ كَانَ "بُرْهَانًا حِسِّيًّا" عَلَى أَنَّ الْمَادَّةَ إِذَا طَغَتْ وَانْفَصَلَتْ عَنِ الْقِيَمِ، صَارَتْ هِيَ سَبَبَ الْهَلَاكِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ "الْعِلْمَ بِلَا تَقْوَى" يُؤَدِّي إِلَى الْعَمَى عَنِ الْحَقِيقَةِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَحْلِيلِ "طَبِيعَةِ الْهِدَايَةِ": {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْحُرِّيَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ"؛ فَالدَّاعِي يَمْلِكُ الْبَيَانَ، لَكِنَّ قَرَارَ الْإِيمَانِ يَحْتَاجُ إِلَى "اسْتِعْدَادٍ نَفْسِيٍّ" فِي الْمُتَلَقِّي. كَمَا تَنْفِي السُّورَةُ تَعَلُّلَ الْمُكَذِّبِينَ بِـ "الْخَوْفِ عَلَى الرِّزْقِ"، مُبَيِّنَةً أَنَّ الْأَمْنَ وَالرِّزْقَ هُمَا ثَمَرَةُ الِارْتِبَاطِ بِالْحَقِّ، لَا بِاتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الْبَقَاءِ": {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْفَنَاءِ الْمَادِّيِّ" وَ"الْخُلُودِ الرُّوحِيِّ"؛ فَالظَّالِمُونَ (فِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهَامَانَ) صَارُوا أَحَادِيثَ، وَبَقِيَ ذِكْرُ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَنْهَجِ اللَّهِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْخِتَامِيُّ هُوَ أَنَّ "الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ"، وَهُوَ مَنْطِقُ التَّارِيخِ الَّذِي لَا يُخْطِئُ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْقَصَصِ هِيَ سُورَةُ "تَصْحِيحِ الْمَوَازِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ بِالْجُيُوشِ وَلَا بِالْكُنُوزِ، بَلْ بِـ "التَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ" الْمَبْنِيِّ عَلَى الصِّدْقِ وَالْكَفَاءَةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ، وَهُوَ وَعْدٌ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَصْدَرِ الْعِزِّ وَالنَّصْرِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|