نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّمْحِيصِ" وَ"هَشَاشَةِ الْبَاطِلِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْقَصَصِ قَدْ رَكَزَتْ عَلَى النَّصْرِ بَعْدَ الِاسْتِضْعَافِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الِابْتِلَاءِ كَضَرُورَةٍ فِيزْيَائِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ لِتَمْيِيزِ الصَّادِقِ مِنَ الْكَاذِبِ، وَتَكْشِفُ عَنْ "الْبِنْيَةِ الرَّخْوَةِ" لِكُلِّ نِظَامٍ يَقُومُ عَلَى غَيْرِ التَّوْحِيدِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسُؤَالٍ اسْتِنْكَارِيٍّ يَصْدِمُ الْعَقْلَ: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؟}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاخْتِبَارِ الْإِلْزَامِيِّ"؛ فَالِادِّعَاءُ (الْإِيمَانُ) يَحْتَاجُ إِلَى "بُرْهَانٍ عَمَلِيٍّ" (الْفِتْنَةِ/الِاخْتِبَارِ) لِيَصِحَّ مَنْطِقِيًّا. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الشَّدَائِدَ لَيْسَتْ عُقُوبَةً، بَلْ هِيَ "مِصْفَاةٌ" لِتَنْقِيَةِ الصَّفِّ مِنَ الشَّوَائِبِ.
فِي "تَحْلِيلِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ"، تَتَعَرَّضُ السُّورَةُ لِأَصْعَبِ أَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ وَهُوَ "الِابْتِلَاءُ بِالْوَالِدَيْنِ" حِينَ يَأْمُرَانِ بِالشِّرْكِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَضَعُ "تَرَاتُبِيَّةَ الْوَلَاءِ"؛ فَالْإِحْسَانُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ، لَكِنَّ الطَّاعَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُطْلَقِ (اللَّهِ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "اسْتِقْلَالِيَّةِ الْعَقِيدَةِ" عَنِ الْعَوَاطِفِ الْبَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّصَادُمِ مَعَ الْحَقِيقَةِ.
أَمَّا "الْمَثَلُ الْمِحْوَرِيُّ" فِي السُّورَةِ، فَهُوَ {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْوَهَنِ الْبِنْيَوِيِّ"؛ فَالْعَنْكَبُوتُ تَبْنِي نَسِيجًا مُعَقَّدًا وَمُبْهِرًا فِي هَنْدَسَتِهِ، لَكِنَّهُ أضعف الْبُيُوتِ أَمَامَ أَدْنَى تَحَدٍّ مَادِّيٍّ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ الْقُوى الْمَادِّيَّةَ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَّاتِ الْبَاطِلَةَ، مَهْمَا بَدَتْ مُتَشَابِكَةً وَقَوِيَّةً، فَهِيَ هَشَّةٌ لِأَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الْقَاعِدَةِ الصَّلْبَةِ (اللَّهِ).
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعْرِضَ صِرَاعَ الْأَنْبِيَاءِ (نُوحٍ، إِبْرَاهِيمَ، لُوطٍ، شُعَيْبٍ) وَأَقْوَامِ الْقُوَّةِ (عَادٍ، ثَمُودَ، قَارُونَ، فِرْعَوْنَ، هَامَانَ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا هُوَ "تَنَوُّعُ أَدَوَاتِ الْإِهْلَاكِ" بِحَسَبِ نَوْعِ الطُّغْيَانِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَاصِبًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفَ بِهِ الْأَرْضَ. هَذَا يُثْبِتُ أَنَّ "النِّهَايَةَ الْوَاحِدَةَ" (الْهَلَاكَ) لَهَا مَسَارَاتٌ تَتَنَاسَبُ مَعَ طَبِيعَةِ الْجُرْمِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةٍ إِلَى "الْمُجَاهَدَةِ" كَطَرِيقٍ لِلْبَصِيرَةِ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "ارْتِبَاطِ الْهِدَايَةِ بِالْبَذْلِ"؛ فَالْوُصُولُ إِلَى الْحَقَائِقِ الْكُبْرَى لَيْسَ عَمَلِيَّةً ذِهْنِيَّةً بَارِدَةً، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ جُهْدٍ نَفْسِيٍّ وَعَمَلِيٍّ صَادِقٍ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ هِيَ سُورَةُ "الثَّبَاتِ وَالْبِنَاءِ الصَّلْبِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْإِيمَانَ تَكْلِيفٌ يَسْتَلْزِمُ الصَّبْرَ، وَأَنَّ كُلَّ ارْتِبَاطٍ بَيْتُهُ "بَيْتُ عَنْكَبُوتٍ" إِلَّا الِارْتِبَاطُ بِخَالِقِ الْأَسْبَابِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُحْسِنِينَ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْمَعِيَّةِ" الَّتِي تَمْنَحُ الْأَمْنَ فِي وَسَطِ الْفِتَنِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|