عرض مشاركة واحدة
  #38  
قديم 2026-03-08, 10:17 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الرُّومِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْغَيْبِ الْمُتَحَقِّقِ" وَ"السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ الْجَارِيَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الثَّبَاتِ فِي الِابْتِلَاءِ، فَإِنَّ سُورَةَ الرُّومِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الِاسْتِشْرَافِ الزَّمَنِيِّ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ "الظَّاهِرِ الْقَرِيبِ" وَ"الْبَاطِنِ الْبَعِيدِ" لِلْأَحْدَاثِ الدَّوْلِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنُبُوءَةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَدْهَشَتِ الْعَرَبَ: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَدَاوُلِ الْأَيَّامِ"؛ فَالْمَنْظُورُ الْبَشَرِيُّ كَانَ يَرَى انْكِسَارَ الرُّومِ نِهَائِيًّا، لَكِنَّ الْمَنْطِقَ الْإِلَهِيَّ يُقَرِّرُ أَنَّ الْقُوى الْمَادِّيَّةَ فِي حَالَةِ "سُيُولَةٍ" دَائِمَةٍ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْغَلَبَةَ لَيْسَتْ قَدَرًا مَحْتُومًا لِأَحَدٍ، بَلْ هِيَ دَوْرَاتٌ مَحْكُومَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ.

فِي "نَقْدِ الْعَقْلِ السَّطْحِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ تَشْخِيصًا مَعْرِفِيًّا عَمِيقًا: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاخْتِزَالِ"؛ حَيْثُ يَقِيسُ الْإِنْسَانُ الْوُجُودَ بِمَا يَرَاهُ فَقَطْ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ لَهَا أَبْعَادٌ غَيْبِيَّةٌ وَمُسْتَقْبَلِيَّةٌ لَا تَدْرِكُهَا الْحَوَاسُّ الْمُجَرَّدَةُ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى "الظَّاهِرِ" فَقَطْ يُؤَدِّي إِلَى أَخْطَاءٍ جَسِيمَةٍ فِي تَقْدِيرِ الْمَصِيرِ.

أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْآنِيِّ"، فَتَعْرِضُ السُّورَةُ سِلْسِلَةً مِنْ "الْآيَاتِ" تَبْدَأُ بِـ {وَمِنْ آيَاتِهِ...}؛ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، اخْتِلَافُ الْأَلْسِنَةِ وَالْأَلْوَانِ، مَنَامُ اللَّيْلِ، وَبَرْقُ السَّمَاءِ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّنَوُّعِ فِي وَحْدَةِ الْمَصْدَرِ"؛ فَكُلُّ هَذِهِ التَّبَايُنَاتِ الْكَوْنِيَّةِ هِيَ بَرَاهِينُ عَقْلِيَّةٌ تُشِيرُ إِلَى "قَصْدِيَّةِ الْخَالِقِ" وَتَنْفِي مَنْطِقَ الصُّدْفَةِ.

فِي "التَّحْلِيلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةً مُهِمَّةً عَنْ "الرِّبَا" وَ"الزَّكَاةِ". الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ "النُّمُوِّ الْوَهْمِيِّ" (الرِّبَا) الَّذِي يَزِيدُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ظَاهِرِيًّا لَكِنَّهُ لَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، وَبَيْنَ "النُّمُوِّ الْحَقِيقِيِّ" (الزَّكَاةِ) الَّذِي يُبَارِكُ فِي النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْقِيمَةِ الْمُضَافَةِ" نَفْعِيًّا وَرُوحِيًّا.

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "الْأَثَرِ الْبَشَرِيِّ عَلَى الْبِيئَةِ": {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمَسْؤُولِيَّةِ التَّبَادُلِيَّةِ"؛ فَانْحِرَافُ السُّلُوكِ الْبَشَرِيِّ يُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى اخْتِلَالِ التَّوَازُنِ الطَّبِيعِيِّ. الْغَايَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ هِيَ أَنْ "يُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"؛ أَيْ أَنَّ الْأَلَمَ الْبِيئِيَّ هُوَ "إِشَارَةُ تَنْبِيهٍ" لِلْعَوْدَةِ إِلَى الْفِطْرَةِ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِدَعْوَةٍ إِلَى "إِقَامَةِ الْوَجْهِ لِلدِّينِ" وَالصَّبْرِ عَلَى قَدَرِ اللَّهِ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الثَّبَاتِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ"؛ فَالْمُوقِنُ لَا يَهْتَزُّ أَمَامَ "خِفَّةِ" الْمُتَشَكِّكِينَ، لِأَنَّهُ يَرْتَكِزُ عَلَى "وَعْدٍ" صَارَ عِنْدَهُ حَقِيقَةً مَنْطِقِيَّةً مَلْمُوسَةً.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الرُّومِ هِيَ سُورَةُ "بَصِيرَةِ النَّتَائِجِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ وَالتَّارِيخَ يَمْشِيَانِ وِفْقَ "سُنَنٍ" لَا تَتَبَدَّلُ، وَأَنَّ الْفِطْرَةَ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا هِيَ مَرْجِعُ التَّوَازُنِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "الرُّؤْيَةُ الْعَمِيقَةُ" الَّتِي تَتَجَاوَزُ ظَاهِرَ الْأَحْدَاثِ لِتُبْصِرَ يَدَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس