نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ لُقْمَانَ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ" وَ"بِنَاءِ الْعَقْلِ الرَّشِيدِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الرُّومِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ لُقْمَانَ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّوْجِيهِ الْخَاصِّ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْمَعْرِفَةُ إِلَى "حِكْمَةٍ" تُدِيرُ حَيَاةَ الْفَرْدِ وَعَلَاقَاتِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ "آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْإِحْكَامِ"؛ فَالْكَلَامُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ. وَتُقَارِنُ السُّورَةُ بَيْنَ هَذَا الْإِحْكَامِ وَبَيْنَ مَنْ يَشْتَرِي "لَهْوَ الْحَدِيثِ" لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ مَنْطِقُ "الْعَبَثِ" الَّذِي لَا طَائِلَ مِنْهُ سِوَى تَبْدِيدِ الطَّاقَاتِ الذِّهْنِيَّةِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ الْحِكْمَةِ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ شَخْصِيَّةَ "لُقْمَانَ" الَّذِي أُوتِيَ الْحِكْمَةَ. الْمَنْطِقُ الْأَوَّلُ لِلْحِكْمَةِ هُوَ: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}. هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ذُرْوَةَ الْعَقْلِ هِيَ الِاعْتِرَافُ بِالْمَصْدَرِ؛ فَالْجُحُودُ خَلَلٌ مَنْطِقِيٌّ لِأَنَّهُ يَنْفِي بَدِيهِيَّةَ الْإِفْضَالِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَبْدَأُ بِـ "التَّوْحِيدِ" وَتَنْتَهِي بـ "الْأَدَبِ".
أَمَّا "الدُّسْتُورُ التَّرْبَوِيُّ" فِي وَصَايَا لُقْمَانَ، فَهُوَ يَقُومُ عَلَى "تَرَاتُبِيَّةِ الْأَوْلَوِيَّاتِ":
الْعَقِيدَةُ: {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (تَصْحِيحُ التَّصَوُّرِ).
الْمُرَاقَبَةُ: {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ... يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} (مَنْطِقُ الْإِحَاطَةِ الْمَعْلُومَاتِيَّةِ الشَّامِلَةِ).
الْعِبَادَةُ وَالْإِصْلَاحُ: {أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ} (تَحْوِيلُ الْقِيَمِ إِلَى سُلُوكٍ).
السُّلُوكُ الِاجْتِمَاعِيُّ: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} (مَنْطِقُ التَّوَاضُعِ وَالِاتِّزَانِ النَّفْسِيِّ).
فِي "الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ"، تَتَحَدَّى السُّورَةُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْطِقِ "الْإِيجَادِ": {هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَجْزِ عَنِ الْمُحَاكَاةِ"؛ فَالَّذِي لَا يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْخَلْقِ لَا يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي التَّشْرِيعِ. كَمَا تَنْفِي السُّورَةُ تَعَلُّلَ الْمُقَلِّدِينَ بِـ "مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا"، وَتَصِفُهُ بِأَنَّهُ مَنْطِقٌ تَبَعِيٌّ يَتَجَاهَلُ الْبُرْهَانَ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "لَانِهَايَةِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ": {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "اللَّانِهَائِيِّ" فِي مُقَابِلِ "الْمَحْدُودِ"؛ فَالْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْحِكْمَةِ، يَظَلُّ قَطْرَةً فِي بَحْرِ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ "مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الْخَمْسَةِ" (السَّاعَةُ، الْغَيْثُ، الْأَرْحَامُ، الرِّزْقُ، الْمَوْتُ). الْمَنْطِقُ الْخِتَامِيُّ هُنَا هُوَ "التَّوَاضُعُ الْمَعْرِفِيُّ"؛ فَثَمَّةَ مِسَاحَاتٌ فِي هَذَا الْوُجُودِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْشَغِلَ بِمَا كُلِّفَ بِهِ وَيَسْتَعِدَّ لِلِقَاءِ رَبِّهِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ لُقْمَانَ هِيَ سُورَةُ "النُّضْجِ الْفِكْرِيِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحِكْمَةَ لَيْسَتْ كَثْرَةَ مَعْلُومَاتٍ، بَلْ هِيَ حُسْنُ تَقْدِيرٍ لِلْخَالِقِ وَالْخَلْقِ، وَأَنَّ بِنَاءَ الْإِنْسَانِ يَبْدَأُ مِنْ تَرْسِيخِ مَنْطِقِ الْمُرَاقَبَةِ الذَّاتِيَّةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَسْؤُولَةٌ عَنْ كَسْبِهَا فِي يَوْمٍ لَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|