نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ السَّجْدَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْيَقِينِ الْمُطْلَقِ" وَ"الِانْقِيَادِ لِلْحَقِيقَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ لُقْمَانَ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحِكْمَةِ التَّرْبَوِيَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ السَّجْدَةِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْخُضُوعِ الْعَقْلِيِّ وَالْوُجُودِيِّ لِخَالِقِ الْكَوْنِ، وَتَعْرِضُ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِلْبُرْهَانِ وَمَنْ يَتَكَبَّرُ عَنْهُ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِنَفْيِ "الرَّيْبِ" (الشَّكِّ) عَنِ الْوَحْيِ: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْقَطْعِيَّةِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ الْبَيِّنَةُ لَا تَتْرُكُ مَجَالاً لِلِارْتِيَابِ إِلَّا لِمَنْ أَعْمَى بَصِيرَتَهُ. وَتَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى فِرْيَةِ "الِافْتِرَاءِ" بِمَنْطِقِ "الْغَايَةِ"؛ فَالْكِتَابُ جَاءَ لِيُنْذِرَ قَوْمًا لَمْ يَأْتِهِم نَّذِيرٌ، مِمَّا يُحَقِّقُ مَبْدَأَ "الْعَدْلِ الْمَعْرِفِيِّ".
فِي "الْبُرْهَانِ التَّصْمِيمِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ كَمَالَ الْخَلْقِ: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْإِتْقَانِ" وَ"الْإِحْسَانِ"؛ فَالْكَوْنُ لَيْسَ جَمَادًا عَبَثِيًّا، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ مُحْكَمَةٌ تَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ. وَتُفَصِّلُ السُّورَةُ مَرَاحِلَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِن سُلَالَةٍ مِن مَّاءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ نَفْخِ الرُّوحِ وَتَرْكِيبِ الْحَوَاسِّ (السَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ)، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ الْمَعْرِفِيَّةَ وُجِدَتْ لِتُوصِلَ الْإِنْسَانَ إِلَى الشُّكْرِ وَالْإِيمَانِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِانْكِسَارِ الْإِيمَانِيِّ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَمَاعِ الْآيَاتِ: {خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}. السُّجُودُ هُنَا هُوَ "نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ" لِإِدْرَاكِ الْعَظَمَةِ؛ فَالْعَقْلُ الصَّغِيرُ حِينَ يُدْرِكُ الْكَبِيرَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الِانْحِنَاءَ. وَتُقَابِلُ السُّورَةُ ذَلِكَ بِـ "تَجَافِي جُنُوبِهِمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ" (الْعَمَلِ السِّرِّيِّ)، لِيَكُونَ الْجَزَاءُ مِن جِنْسِ الْعَمَلِ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْمُفَاجَأَةِ الْجَمِيلَةِ" لِمَن أَخْفَى عَمَلَهُ لِلَّهِ.
فِي "قَاعِدَةِ التَّمَايُزِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالاً فَاصِلاً: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَدْلِ الِاسْتِحْقَاقِيِّ"؛ فَإِنَّ تَهَاتُرَ النَّتَائِجِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُقَدِّمَاتِ هُوَ عَبَثٌ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْخَالِقُ. فَالْمُؤْمِنُ الْمُنْتِجُ لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يُسَاوَى بِالْفَاسِقِ الْمُخَرِّبِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "سُنَّةِ الِابْتِلَاءِ الْأَصْغَرِ": {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْأَلَمُ التَّنْبِيهِيُّ"؛ فَالمَصَائِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ هِيَ رَسَائِلُ تَحْذِيرِيَّةٌ لِلْعَقْلِ لِيَتَدَارَكَ مَسَارَهُ قَبْلَ الِارْتِطَامِ بِالنِّهَايَةِ الْكُبْرَى. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ بَعْضَ الْبَلَاءِ هُوَ رَحْمَةٌ فِي ثَوْبِ نِقْمَةٍ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "يَوْمِ الْفَتْحِ" (الْحِسَابِ)، حَيْثُ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "انْتِهَاءِ الصَّلَاحِيَّةِ"؛ فَالِاخْتِبَارُ لَهُ زَمَنٌ مُحَدَّدٌ، وَبَعْدَ ظُهُورِ النَّتَائِجِ يَنْتَهِي مَجَالُ الِاخْتِيَارِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ السَّجْدَةِ هِيَ سُورَةُ "الْقَرَارِ الْحَاسِمِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ يَنْطِقُ بِالْخَالِقِ، وَأَنَّ السُّجُودَ هُوَ أَرْقَى حَالَاتِ التَّصَالُحِ مَعَ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ يَبْدَأُ مِنْ مَدَى الِاعْتِرَافِ بِـ "آيَاتِ رَبِّكَ" أَوْ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|