نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّصْفِيَةِ" وَ"الِانْضِبَاطِ الرِّسَالِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْخُضُوعِ الذَّاتِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّنْظِيمِ الْجَمَاعِيِّ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَطَّمُ "التَّحَالُفَاتُ الْبَاطِلَةُ" أَمَامَ صَلَابَةِ الْيَقِينِ وَالِاتِّبَاعِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِأَمْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَحْدِيدِ الْمَرْجِعِيَّةِ"؛ فَالْقِيَادَةُ تَحْتَاجُ إِلَى صُمُودٍ أَمَامَ الضُّغُوطِ الْخَارِجِيَّةِ (الْكَافِرِينَ) وَالِاخْتِرَاقَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ (الْمُنَافِقِينَ). الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ مَنْطِقَ "الْمُدَاهَنَةِ" هُوَ مَنْطِقُ الْهَزِيمَةِ، بَيْنَمَا مَنْطِقُ "التَّقْوَى" هُوَ مَنْطِقُ التَّمْكِينِ.
فِي "تَحْلِيلِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَشْهَدَ "الِاحْتِشَادِ الْعَالَمِيِّ" ضِدَّ الْمَدِينَةِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ اسْتِجَابَتَيْنِ:
مَنْطِقُ الْمُنَافِقِينَ: الَّذِي رَأَى فِي الْأَحْزَابِ نِهَايَةً مَحْتُومَةً وَقَالَ: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}، وَهُوَ مَنْطِقٌ يَقِيسُ الْأُمُورَ بِـ "الْإِمْكَانَاتِ الْمَادِّيَّةِ" فَقَطْ.
مَنْطِقُ الْمُؤْمِنِينَ: الَّذِي رَأَى فِي الِابْتِلَاءِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ وَقَالَ: {هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ}، وَهُوَ مَنْطِقٌ يَرَى "الْمِحْنَةَ" بَوَّابَةً لِلْـ "مِنْحَةِ".
أَمَّا فِي "الْبِنَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ"، فَتَقُومُ السُّورَةُ بِـ "تَصْحِيحِ الْعَلَاقَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ"؛ فَأَبْطَلَتِ "الظِّهَارَ" وَ"التَّبَنِّيَ" لِتُعِيدَ مَنْطِقَ "الْحَقِيقَةِ الْبِيُولُوجِيَّةِ" إِلَى مَكَانِهَا: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ}. هَذَا يَعْنِي مَنْطِقِيًّا أَنَّ الْأَوْهَامَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُغَيِّرَ الْحَقَائِقَ الْوُجُودِيَّةَ، وَأَنَّ الدِّينَ يَقُومُ عَلَى "الْوَاقِعِ" لَا عَلَى "الِادِّعَاءِ".
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَضَعَ "مَقَامَ الْقُدْوَةِ" لِلرَّسُولِ ﷺ: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّجْسِيدِ الْبَشَرِيِّ لِلْمِثَالِ"؛ فَالْمَبَادِئُ لَا تَبْقَى نَظَرِيَّةً، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى "نَمُوذَجٍ حَيٍّ" يُطَبِّقُهَا فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ. كَمَا تُرَسِّخُ السُّورَةُ آدَابَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَحِجَابَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، لِتَبْنِيَ مَنْطِقَ "الْخُصُوصِيَّةِ وَالطَّهَارَةِ" لِكُلِّ مَنْ يَرْتَبِطُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
فِي "نِهَايَةِ السُّورَةِ"، تُعْلِنُ السُّورَةُ حَقِيقَةَ "الْأَمَانَةِ": {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْفَعُ قِيمَةَ "الْإِنْسَانِ" بِصِفَتِهِ الْكَائِنَ الْوَحِيدَ الَّذِي قَبِلَ "حُرِّيَّةَ الِاخْتِيَارِ" وَ"الْمَسْؤُولِيَّةَ الْمَعْرِفِيَّةَ". الِاسْتِنْتَاجُ الْخِتَامِيُّ هُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ لَيْسَ عِبْئًا، بَلْ هُوَ "تَشْرِيفٌ" يَتَطَلَّبُ تَقْوِيمَ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْأَحْزَابِ هِيَ سُورَةُ "صِيَانَةِ الصَّفِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ يُبْنَى بِالِاتِّبَاعِ الْوَاعِي لِلْقِيَادَةِ، وَبِالتَّطْهِيرِ الدَّائِمِ لِلْبُيُوتِ وَالنُّفُوسِ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلْغَيْرِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هِيَ طَرِيقُ "الْفَوْزِ الْعَظِيمِ" بَعْدَ كُلِّ زَلْزَالٍ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|