نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ سَبَأٍ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَمْدِ الْمُطْلَقِ" وَ"نِعْمَةِ الِاسْتِخْلَافِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ التَّمَاسُكِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي الْأَزَمَاتِ، فَإِنَّ سُورَةَ سَبَأٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الِاسْتِمْرَارِيَّةِ وَالِانْهِيَارِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ "الشُّكْرُ" إِلَى طَاقَةِ بَقَاءٍ، بَيْنَمَا تَتَحَوَّلُ "الْغَفْلَةُ" إِلَى عَامِلِ هَدْمٍ لِأَعْظَمِ الْحَضَارَاتِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "الْحَمْدِ" الشَّامِلِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْمِلْكِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ"؛ فَالْخَالِقُ يَمْلِكُ الْمَادَّةَ وَالْمَعْنَى، وَالْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ. وَتَرُدُّ السُّورَةُ عَلَى مُنْكِرِي السَّاعَةِ بِمَنْطِقِ "الْإِحْصَاءِ الدَّقِيقِ": {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِلْمِ الشَّامِلِ" الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ أَيُّ جُزْءٍ مِنَ النِّظَامِ الْكَوْنِيِّ.
فِي "تَحْلِيلِ النَّمَاذِجِ الْحَضَارِيَّةِ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ نَمُوذَجَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ:
نَمُوذَجُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: حَيْثُ سُخِّرَتِ الْجِبَالُ وَالطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالرِّيحُ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "التَّسْخِيرُ لِلْبِنَاءِ": {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}. الشُّكْرُ هُنَا لَيْسَ كَلِمَةً، بَلْ هُوَ "عَمَلٌ" وَإِنْتَاجٌ يُحَافِظُ عَلَى النِّعْمَةِ.
نَمُوذَجُ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ: حَيْثُ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتَانِ وَأَمْنٌ وَرَزْقٌ، لَكِنَّهُمْ "أَعْرَضُوا". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ يَرْبِطُ بَيْنَ "كُفْرِ النِّعْمَةِ" وَ"سَيْلِ الْعَرِمِ"؛ فَانْهِيَارُ السَّدِّ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَادِثٍ فِيزْيَائِيٍّ، بَلْ نَتِيجَةً لِاخْتِلَالِ الْمَنْظُومَةِ الْقِيَمِيَّةِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى ضَيَاعِ الْإِدَارَةِ الرَّشِيدَةِ.
أَمَّا فِي "نَقْدِ الْأَوْهَامِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا عَنْ "الشُّرَكَاءِ": {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "نَفْيِ الصَّلَاحِيَّةِ"؛ فَأَيُّ كِيَانٍ لَا يَمْلِكُ أَصْغَرَ جُزْءٍ مِنَ الْمَادَّةِ اسْتِقْلَالًا، لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يَكُونَ مَرْجِعًا لِلْإِنْسَانِ أَوْ نِدًّا لِلْخَالِقِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "صِرَاعِ النُّخَبِ وَالْعَامَّةِ": {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِسْقَاطِ النَّفْسِيِّ"؛ حَيْثُ يُحَاوِلُ التَّابِعُ التَّنَصُّلَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ. لَكِنَّ الرَّدَّ الْمَنْطِقِيَّ يَأْتِي بِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ خِيَارَهَا، وَأَنَّ "الِاسْتِكْبَارَ" الْمَادِّيَّ كَانَ الْحِجَابَ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ رُؤْيَةِ الْحَقِّ.
فِي "الْبُرْهَانِ عَلَى الرِّسَالَةِ"، تَنْفِي السُّورَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَهَمَّتَيْنِ: الْجُنُونَ وَالِافْتِرَاءَ، وَتَدْعُو لِـ "التَّفَكُّرِ الْحُرِّ": {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِقْلَالِ الذِّهْنِيِّ"؛ فَالْعَقْلُ يَتَحَرَّرُ مِن "تَأْثِيرِ الْقَطِيعِ" حِينَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ أَوْ يُنَاقِشُ بِصِدْقٍ، لِيَصِلَ إِلَى حَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ" وَحَسْرَةِ الْمُكَذِّبِينَ حِينَ يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحِيَالِ"؛ فَالْفُرْصَةُ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الدُّنْيَا، وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا يُصْبِحُ التَّمَنِّي لَا قِيمَةَ لَهُ مَنْطِقِيًّا.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ سَبَأٍ هِيَ سُورَةُ "بَقَاءِ الْحَضَارَاتِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ عَيْبًا، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ (الَّذِي بَقِيَ ذِكْرُهُ نُورًا) وَسَبَأٍ (الَّذِي صَارَ أَحَادِيثَ مُمَزَّقَةً) هُوَ مَنْطِقُ "الشُّكْرِ الْعَمَلِيِّ" وَالِارْتِبَاطِ بِالْمُنْعِمِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|