نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ فَاطِرٍ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَبْدَأِ" وَ"الْعِزَّةِ الْمُطْلَقَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ سَبَأٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ بَقَاءِ الْحَضَارَاتِ بِالشُّكْرِ، فَإِنَّ سُورَةَ فَاطِرٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الْقُدْرَةِ الْخَالِقَةِ الَّتِي تُبْدِعُ مِنَ الْعَدَمِ، وَتُبَيِّنُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ إِلَى عِزَّةٍ لَا تَنْكَسِرُ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ اللَّهِ بِـ "فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاخْتِرَاعِ الْأَوَّلِيِّ"؛ فَالفَطْرُ هُوَ الشَّقُّ وَالِابْتِدَاءُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وَتَصِفُ السُّورَةُ الْمَلَائِكَةَ بِـ "أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ"، ثُمَّ تُقَرِّرُ قَاعِدَةً رِيَاضِيَّةً وَكَوْنِيَّةً: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "اللَّانِهَايَةِ" فِي الْإِبْدَاعِ الْإِلَهِيِّ.
فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ الرَّحْمَةِ"، تَضَعُ السُّورَةُ مَعَادَلَةً حَاسِمَةً: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحَتْمِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ"؛ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَفْعًا لَا تَمْنَعُهُ كُلُّ قُوى الْأَرْضِ، وَإِذَا مَنَعَ فَلَا حِيلَةَ لِبَشَرٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ هُوَ تَحْرِيرُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْخَوْفِ مِنَ "الْآخَرِ" وَرَبْطُهُ بِالْمَصْدَرِ الْوَحِيدِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْفَقْرِ وَالْغِنَى"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ حَقِيقَةً وُجُودِيَّةً كُبْرَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الِاحْتِيَاجِ الْبِنْيَوِيِّ"؛ فَالْفَقْرُ إِلَى اللَّهِ لَيْسَ صِفَةً طَارِئَةً، بَلْ هُوَ جَوْهَرُ الْكَائِنِ الْمَخْلُوقِ، بَيْنَمَا الْغِنَى هُوَ جَوْهَرُ الْخَالِقِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ "الْعِزَّةَ" مَنْطِقِيًّا لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْ صَاحِبِهَا: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}.
فِي "الْبُرْهَانِ الْبِيُولُوجِيِّ وَالْجُغْرَافِيِّ"، تُقَارِنُ السُّورَةُ بَيْنَ "الْبَحْرَيْنِ" (الْعَذْبِ وَالْمِلْحِ) وَبَيْنَ "الْأَلْوَانِ" فِي الْجِبَالِ وَالثَّمَرَاتِ وَالنَّاسِ. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "الْوَحْدَةُ فِي التَّنَوُّعِ"؛ فَالْمَادَّةُ الْأَصْلِيَّةُ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّ التَّجَلِّيَاتِ مُخْتَلِفَةٌ. وَتَصِلُ السُّورَةُ إِلَى الِاسْتِنْتَاجِ الْأَعْظَمِ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِلَاقَةِ الطَّرْدِيَّةِ" بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْخَشْيَةِ؛ فَمَنِ ازْدَادَ عِلْمًا بِدَقَائِقِ الصُّنْعِ، ازْدَادَ تَعْظِيمًا لِلصَّانِعِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "أَوْرَاثِ الْكِتَابِ"، وَتُقَسِّمُ النَّاسَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: "ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ"، "مُقْتَصِدٌ"، وَ"سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا هُوَ "التَّفَاضُلُ بِالْعَمَلِ"؛ فَالِانْتِمَاءُ لِلْوَحْيِ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْعِيلٍ سُلُوكِيٍّ، وَكُلُّ دَرَجَةٍ لَهَا مَقَامُهَا فِي الْفَضْلِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْإِمْهَالِ لَا الْإِهْمَالِ": {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الرَّحْمَةِ الْحَاكِمَةِ"؛ فَالنِّظَامُ الْكَوْنِيُّ يَسْمَحُ بِالْخَطَأِ لِإِعْطَاءِ فُرْصَةٍ لِلتَّصْحِيحِ، لَكِنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى مِيعَادٍ مُسَمًّى.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ فَاطِرٍ هِيَ سُورَةُ "أَصَالَةِ الْإِيجَادِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ هُمَا اللَّذَانِ يَرْفَعَانِ الْإِنْسَانَ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ الْعِزَّةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى "مَنْظُومَةِ الْحَقِّ" الَّتِي يَقُودُهَا فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|