عرض مشاركة واحدة
  #44  
قديم 2026-03-08, 10:27 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ يس، وَهِيَ "قَلْبُ الْقُرْآنِ" وَسُورَةُ "الْبَعْثِ وَالْإِحْيَاءِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ فَاطِرٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ أَصَالَةِ الْإِيجَادِ، فَإِنَّ سُورَةَ يس تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ إِعَادَةِ الْإِنْشَاءِ، وَتَعْرِضُ الْبُرْهَانَ الرِّيَاضِيَّ وَالْكَوْنِيَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَدَأَ الْخَلْقَ قَادِرٌ مَنْطِقِيًّا عَلَى إِعَادَتِهِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِالْقَسَمِ بِـ "الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ" لِإِثْبَاتِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِقَامَةِ": {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فِي الْمَنْطِقِ هُوَ أَقْصَرُ خَطٍّ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ (الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ)، وَهُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهَا.

فِي "تَحْلِيلِ الِاسْتِجَابَةِ الْبَشَرِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَثَلَ "أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَعَدُّدِ الْمَصَادِرِ"؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ اثْنَيْنِ ثُمَّ عَزَّزَ بِثَالِثٍ، لِقَطْعِ كُلِّ حُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ. وَيَبْرُزُ نَمُوذَجُ "الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى"، لِيُمَثِّلَ مَنْطِقَ "الْعَقْلِ الْحُرِّ" الَّذِي انْحَازَ لِلْحَقِيقَةِ مَجَّانًا: {اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ}. هَذَا هُوَ مِعْيَارُ الصِّدْقِ؛ التَّجَرُّدُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ.

أَمَّا فِي "الْبُرْهَانِ الْكَوْنِيِّ عَلَى الْإِحْيَاءِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ ثَلَاثَ آيَاتٍ مَرْكَزِيَّةٍ:

الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ: الَّتِي تَهْتَزُّ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَطَرِ (إِحْيَاءٌ مَادِّيٌّ مَلْمُوسٌ).

فَلَكُ النُّجُومِ: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (مَنْطِقُ النِّظَامِ الدَّقِيقِ وَالْحَرَكَةِ الرَّتِيبَةِ الَّتِي تَمْنَعُ التَّصَادُمَ).

الْفُلْكُ الْمَشْحُونُ: (قَانُونُ الطَّفْوِ وَتَسْخِيرِ الْبِحَارِ لِلْإِنْسَانِ).

فِي "نِهَايَةِ السُّورَةِ"، يَصِلُ التَّحْدِي الْمَنْطِقِيُّ إِلَى ذُرْوَتِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟}. الرَّدُّ جَاءَ بِقِيَاسِ "الْأَوْلَى": {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}. مَنْطِقِيًّا، الْإِيجَادُ مِنَ الْعَدَمِ أَصْعَبُ (بِالْمَقَايِيسِ الْبَشَرِيَّةِ) مِنَ الْإِعَادَةِ، فَالَّذِي فَعَلَ "الْأَصْعَبَ" قَادِرٌ بِالضَّرُورَةِ عَلَى "الْأَسْهَلِ".

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "النَّفَاذِ الْمُطْلَقِ": {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِرَادَةِ الْخَالِقَةِ" الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى زَمَنٍ أَوْ مَادَّةٍ أَوْ وَسِيطٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْخِتَامِيُّ هُوَ: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ يس هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ الْوُجُودِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ هُوَ نُقْطَةُ تَحَوُّلٍ فِي النِّظَامِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي يَتَأَمَّلُ فِي صُنْعِ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِـ "الْبَعْثِ" كَضَرُورَةٍ عَقْلِيَّةٍ لِتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ النَّهَائِيَّةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس