نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ" وَ"ثَبَاتِ الصَّفِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ يس قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الصَّافَّاتِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْوَحْدَانِيَّةِ الْقَاهِرَةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى كُلُّ "الْأَسَاطِيرِ" أَمَامَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ بِمَخْلُوقَاتٍ مُنَظَّمَةٍ (الصَّافَّاتِ، الزَّاجِرَاتِ، التَّالِيَاتِ). هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "النِّظَامِ وَالْوَظِيفَةِ"؛ فَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْكَوْنِ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَمَهَمَّةٌ مُحَدَّدَةٌ. النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِهَذَا التَّنَاسُقِ هِيَ: {إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}. تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ يَعْنِي مَنْطِقِيًّا تَصَارُمَ الْإِرَادَاتِ وَاخْتِلَالَ النِّظَامِ، وَهُوَ مَا يَنْفِيهِ الْوَاقِعُ الْكَوْنِيُّ.
فِي "تَحْلِيلِ النَّمَاذِجِ الْبَشَرِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ قِصَصَ الْأَنْبِيَاءِ بِتَرْكِيزٍ عَلَى مَنْطِقِ "التَّسْلِيمِ وَالِامْتِحَانِ". تَبْرُزُ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ الذَّبِيحِ كَأَعْظَمِ تَجَلٍّ لِلْمَنْطِقِ الْإِيمَانِيِّ؛ حَيْثُ يَتَجَاوَزُ "الْيَقِينُ" بِمُرَادِ اللَّهِ "الْعَاطِفَةَ الْبَشَرِيَّةَ". قَوْلُ الِابْنِ: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} هُوَ قِمَّةُ التَّصَالُحِ مَعَ الْقَدَرِ، لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ هِيَ "الْفِدَاءَ" وَالنَّجَاةَ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْجَدَارَةِ.
أَمَّا فِي "نَقْدِ الْعَقْلِ الْخُرَافِيِّ"، فَتُحَاصِرُ السُّورَةُ الْمُشْرِكِينَ بِأَسْئِلَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ حَادَّةٍ عَنْ نِسْبَةِ "الْبَنَاتِ" لِلَّهِ وَ"الْبَنِينَ" لَهُمْ. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّنَاقُضِ الذَّاتِيِّ"؛ فَكَيْفَ يَنْسِبُونَ لِلْخَالِقِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ؟ هَذَا الِارْتِبَاكُ يُثْبِتُ أَنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ فِكْرًا، بَلْ هُوَ "تَخَرُّصٌ" لَا يَصْمُدُ أَمَامَ الِاسْتِدْلَالِ الْبَسِيطِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَصِيرِ الْجُنْدِ": {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ الْمَادِّيَّةِ اللَّحْظِيَّةِ دَائِمًا، بَلْ هُوَ مَنْطِقُ "الْبَقَاءِ لِلْأَصْلَحِ قِيَمِيًّا"؛ فَالْحَقُّ يَبْقَى وَيَنْتَصِرُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، بَيْنَمَا يَزُولُ الزَّبَدُ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "التَّسْبِيحِ وَالتَّنْزِيهِ": {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعِصْمَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ"؛ فَكُلُّ مَا تَخَيَّلَهُ الْبَشَرُ عَنِ اللَّهِ مِمَّا لَا يَلِيقُ، فَهُوَ بَاطِلٌ مَنْطِقِيًّا، وَالْحَقِيقَةُ هِيَ الْعِزَّةُ وَالْوِحْدَانِيَّةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الصَّافَّاتِ هِيَ سُورَةُ "تَصْفِيَةِ التَّصَوُّرَاتِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى "صَفٍّ" وَاحِدٍ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لِإِلَٰهٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِأَمْرِ اللَّهِ (كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ) هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِلْخُرُوجِ مِنْ مَآزِقِ الْمَادَّةِ إِلَى سَعَةِ الْفَضْلِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|