عرض مشاركة واحدة
  #46  
قديم 2026-03-08, 10:31 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ ص، وَهِيَ سُورَةُ "الْإِنَابَةِ" وَ"الْعَدْلِ فِي الْخُصُومَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الصَّافَّاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الثَّبَاتِ فِي الصَّفِّ، فَإِنَّ سُورَةَ ص تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْقَضَاءِ وَالِاحْتِكَاامِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَعَامَلُ "أُولُو الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ" مَعَ زَلَّاتِ النَّفْسِ وَتَعَقُّدَاتِ السَّطْوَةِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِذِكْرِ "الذِّكْرِ ذِي الشَّرَفِ"، ثُمَّ تُشَخِّصُ عِلَّةَ الْمُكَذِّبِينَ: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْكِبْرِ الْمَانِعِ لِلْفَهْمِ"؛ فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ الْبُرْهَانِ، بَلْ فِي "الْعِزَّةِ" الْوَهْمِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ الِانْصِيَاعِ لِلْحَقِيقَةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ طَبَقَتِهِ.

فِي "تَحْلِيلِ سُلْطَةِ الْقَضَاءِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ قِصَّةَ "الْخَصْمِ" الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ عَلَى دَاوُدَ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "آدَابِ الِاحْتِكَاامِ"؛ فَدَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، رَغْمَ نُبُوَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ، اسْتَمَعَ لِلْخَصْمَيْنِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ "الْخُلَطَاءَ" يَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَنْ آمَنَ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ "الْإِنَابَةَ" (الرُّجُوعَ لِلَّهِ) هِيَ مَنْطِقُ الْأَقْوِيَاءِ حِينَ يَشْعُرُونَ بِمَيْلِ النَّفْسِ، لِيَكُونَ التَّكْلِيفُ بَعْدَهَا: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}.

أَمَّا فِي "نَمُوذَجِ الِابْتِلَاءِ وَالصَّبْرِ"، فَتَقْرِنُ السُّورَةُ بَيْنَ سُلَيْمَانَ (نَمُوذَجِ الشُّكْرِ فِي الْمُلْكِ) وَأَيُّوبَ (نَمُوذَجِ الصَّبْرِ فِي الضُّرِّ). الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "التَّعَادُلِيَّةُ"؛ فَالْمُؤْمِنُ يَدُورُ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ دَارَ؛ فَإِنْ أُعْطِيَ سَخَّرَ (سُلَيْمَانَ)، وَإِنْ سُلِبَ صَبَرَ (أَيُّوبَ). كِلَاهُمَا نَالَ ثَنَاءً وَاحِدًا: {نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}. الْأَوْبَةُ هِيَ مَنْطِقُ الِاتِّصَالِ الدَّائِمِ بِالْمَرْكَزِ (اللَّهِ).

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "أَصْلِ الصِّرَاعِ" بِعَرْضِ قِصَّةِ آدَمَ وَإِبْلِيسَ. الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ "عُنْصُرِ الطِّينِ" وَ"نَفْخَةِ الرُّوحِ". إِبْلِيسُ وَقَعَ فِي خَطَأٍ مَنْطِقِيٍّ (قِيَاسُ الْأَفْضَلِيَّةِ بِالْمَادَّةِ): {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. هَذَا "الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ" تَجَاهَلَ الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ وَنَفْخَةَ الرُّوحِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى طَرْدِهِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ مَنْطِقَ الِاسْتِعْلَاءِ بِالْعِرْقِ أَوْ الْمَادَّةِ هُوَ مَنْطِقٌ "شَيْطَانِيٌّ" بِالْأَصَالَةِ.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ ادِّعَاءً: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَفْوِيَّةِ الصَّادِقَةِ"؛ فَالْحَقُّ بَسِيطٌ وَوَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَصَنُّعٍ، وَهُوَ "ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ" يُعْرَفُ نَبَؤُهُ بَعْدَ حِينٍ مِنْ خِلَالِ تَحَقُّقِ وَعْدِهِ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ ص هِيَ سُورَةُ "الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي الِاعْتِرَافِ بِالْخَطَأِ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ، وَأَنَّ كُلَّ خُصُومَةٍ بَشَرِيَّةٍ يَجِبُ أَنْ تُحْكَمَ بِمِيزَانِ السَّمَاءِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الْحَقِيقَةِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس