نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الزُّمَرِ، وَهِيَ سُورَةُ "التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ" وَ"الْإِخْلَاصِ الصَّفِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ "ص" قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِنَابَةِ وَالْعَدْلِ، فَإِنَّ سُورَةَ الزُّمَرِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُصَفَّى الدِّينُ مِنَ الشَّوَائِبِ لِيَكُونَ "لِلَّهِ خَالِصًا".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ الْغَايَةِ: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينُ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْوَحْدَةِ الْمَرْجِعِيَّةِ"؛ فَكُلُّ فِعْلٍ لَا يَتَّجِهُ لِلْمَصْدَرِ الْأَوَّلِ بِإِخْلَاصٍ هُوَ فِعْلٌ "مُشَتَّتٌ" لَا قِيمَةَ لَهُ. وَتَنْفِي السُّورَةُ حُجَّةَ الْمُشْرِكِينَ فِي اتِّخَاذِ الْوَسَائِطِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}، وَتَصِفُ هَذَا الْمَنْطِقَ بِأَنَّهُ "كَذِبٌ وَكُفْرٌ" لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِلْمُطْلَقِ شَرِيكًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
فِي "تَحْلِيلِ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ حَقِيقَةَ "تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ" وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْإِحَاطَةِ وَالتَّدَبُّرِ"؛ فَالَّذِي يُدَبِّرُ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ الْخَفِيَّةَ وَالْعَظِيمَةَ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ "التَّفْرِيدَ" بِالْعِبَادَةِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الشِّرْكَ جَهْلٌ بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الْمُقَارَنَةِ الْعَقْلِيَّةِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ ضَرْبًا مِنَ الْمَثَلِ الرَّائِعِ: {رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ"؛ فَالْمُوَحِّدُ لَهُ قِبْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، بَيْنَمَا الْمُشْرِكُ مُمَزَّقٌ بَيْنَ أَهْوَاءٍ مُتَنَاقِضَةٍ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ "حُرِّيَّةٌ" وَتَحْرِيرٌ لِلْعَقْلِ مِنَ الشَّتَاتِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "سَعَةِ الرَّحْمَةِ" فِي نِدَاءٍ يَهَزُّ الْوِجْدَانَ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا هُوَ "مَنْطِقُ الْفَتْحِ الدَّائِمِ"؛ فَالْخَطَأُ بَشَرِيٌّ، لَكِنَّ التَّوْبَةَ هِيَ الْفِعْلُ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يُعِيدُ التَّوَازُنَ لِلْعَلَاقَةِ مَعَ الْخَالِقِ قَبْلَ مَجِيءِ الْحِسَابِ.
فِي مَشَاهِدِ الْخِتَامِ، تَعْرِضُ السُّورَةُ كَيْفِيَّةَ السَّوْقِ إِلَى الْمَصِيرِ: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا} وَ {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "التَّصْنِيفِ النَّهَائِيِّ"؛ حَيْثُ يَنْضَمُّ كُلُّ فَرْدٍ إِلَى مَجْمُوعَتِهِ الَّتِي تُشْبِهُهُ فِي "النَّوْعِ الْأَخْلَاقِيِّ" وَ"الْقَصْدِ الْقَلْبِيِّ".
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الزُّمَرِ هِيَ سُورَةُ "تَصْفِيَةِ الْوُجُودِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الرَّشِيدَ هُوَ الَّذِي يَنْبِذُ "الْأَنْدَادَ" لِيَعِيشَ "سَلَمًا" لِلَّهِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْأَرْضَ سَتُشْرِقُ بِنُورِ رَبِّهَا حِينَ يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|