نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ غَافِرٍ (أَوْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ)، وَهِيَ مَبْدَأُ "الْحَوَامِيمِ" وَسُورَةُ "الْمُحَاجَجَةِ الْعَقْلِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْإِخْلَاصِ الْقَلْبِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ غَافِرٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ الْبُرْهَانِ الْحِوَارِيِّ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُوَاجِهُ "الْمَنْطِقُ الْإِيمَانِيُّ" طُغْيَانَ الْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ بِثَبَاتٍ وَذَكَاءٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَعْرِيفِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُتَقَابِلَةِ: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّوَازُنِ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ"؛ فَالْإِلَهُ لَيْسَ جَبَّارًا فَقَطْ، وَلَيْسَ غَفُورًا بِلَا عَدْلٍ، بَلْ هُوَ "ذُو الطَّوْلِ" (صَاحِبُ الْإِفْضَالِ الْوَاسِعِ). وَتَنْقِدُ السُّورَةُ جَدَلَ الْمُكَذِّبِينَ بِوَصْفِهِ "جَدَلًا لِلْإِدْحَاضِ" لَا لِلْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ.
فِي "التَّحْلِيلِ السِّيَاسِيِّ وَالْفِكْرِيِّ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ أطول حِوَارٍ لِشَخْصِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي بَلَاطِ طَاغِيَةٍ، وَهُوَ "مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ لِهَذَا الرَّجُلِ قَامَ عَلَى عِدَّةِ رَكِائِزَ:
الِاسْتِفْهَامُ الِاسْتِنْكَارِيُّ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}؟ (نَقْدُ جَرِيمَةِ الْقَمْعِ الْفِكْرِيِّ).
قَاعِدَةُ الِاحْتِمَالِ: {وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّهَانِ الْعَقْلِيِّ"؛ حَيْثُ يُلْزِمُهُمْ بِالْحَذَرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
تَذْكِيرٌ بِتَقَلُّبِ السُّلْطَةِ: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ... فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا}؟ (مَنْطِقُ الزَّوَالِ لِكُلِّ قُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ).
أَمَّا فِي "نَقْدِ الِاسْتِعْلَاءِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ رَدَّ فِرْعَوْنَ: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِاسْتِبْدَادِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ حَيْثُ يَدَّعِي الطَّاغِيَةُ امْتِلَاكَ الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ وَيُغْلِقُ بَابَ الْحِوَارِ. وَتُقَابِلُهُ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ الْمُؤْمِنِ: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}.
فِي "الْبُرْهَانِ الْوُجُودِيِّ"، تَدْعُو السُّورَةُ لِتَأَمُّلِ "نِعَمِ التَّسْخِيرِ" (اللَّيْلِ لِلسَّكَنِ، النَّهَارِ مُبْصِرًا، الْأَنْعَامِ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ). الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْفَائِدَةِ" وَ "الْمَصْدَرِ"؛ فَالْكَوْنُ لَمْ يُخْلَقْ صُدْفَةً، بَلْ وُفِّقَ لِحَاجَاتِ الْإِنْسَانِ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِمَشْهَدِ "الْإِيمَانِ عِنْدَ الْيَأْسِ": حِينَ رَأَى الْمُكَذِّبُونَ بَأْسَ اللَّهِ قَالُوا آمَنَّا، لَكِنَّ السُّورَةَ تُقَرِّرُ قَاعِدَةً مَنْطِقِيَّةً: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "فَوَاتِ الْأَوَانِ"؛ فَالْإِيمَانُ الْمَقْبُولُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ "غَيْبِيًّا" عَنْ قَنَاعَةٍ، لَا "اضْطِرَارِيًّا" عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ غَافِرٍ هِيَ سُورَةُ "شَجَاعَةِ الْكَلِمَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَا تَصْنَعُ الْحَقَّ، وَأَنَّ الْمَنْطِقَ الْهَادِئَ الْمُرْتَبِطَ بِاللَّهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُزَلْزِلَ عُرُوشَ الطُّغَاةِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ مَاضِيَةٌ وَأَنَّ الْمُبْطِلِينَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|