نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ فُصِّلَتْ، وَهِيَ سُورَةُ "الْبَيَانِ الشَّافِي" وَ"بَرَاهِينِ الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ غَافِرٍ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحِوَارِ الشُّجَاعِ، فَإِنَّ سُورَةَ فُصِّلَتْ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْإِعْرَاضِ وَالِاسْتِجَابَةِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تُفَصَّلُ الْآيَاتُ لِتُقِيمَ الْحُجَّةَ النِّهَائِيَّةَ عَلَى الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ الْقُرْآنِ: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّفْصِيلِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَالْحَقُّ لَا يُطْرَحُ مَبْهُومًا، بَلْ يُبَسَّطُ وَيُشْرَحُ لِيُنَاسِبَ أَدَوَاتِ الْإِدْرَاكِ. وَتُشَخِّصُ السُّورَةُ حَالَةَ "الِانْغِلَاقِ الذِّهْنِيِّ" لِلْمُعْرِضِينَ: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ... وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَزْلِ الِارَادِيِّ" عَنِ الْحَقِيقَةِ؛ حَيْثُ يَبْنِي الْإِنْسَانُ جِدَارًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّلِيلِ.
فِي "الْبُرْهَانِ الْفِيزْيَائِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ نِظَامَ "بِنَاءِ الْكَوْنِ" فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ (تَقْدِيرًا): خَلْقُ الْأَرْضِ، تَقْدِيرُ الْأَقْوَاتِ، ثُمَّ اسْتِوَاءُ السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "طَاعَةِ الْمَادَّةِ" لِلْخَالِقِ: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْكَوْنَ الْعَظِيمَ يَنْصَاعُ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَسْتَكْبِرُ الْإِنْسَانُ "الذَّرَّةُ" فِي هَذَا الْوُجُودِ؟
أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ الشَّهَادَةِ الْكُبْرَى"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ مَشْهَدًا مَرْعِبًا لِلْحَوَاسِّ: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الِانْقِلَابِ الْعُضْوِيِّ"؛ فَالْأَدَوَاتُ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْإِنْسَانُ لِلْمَعْصِيَةِ تَتَحَوَّلُ إِلَى "مُدَّعٍ عَامٍّ" ضِدَّهُ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ وَهْمٌ، وَأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ فِيكَ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْمَنْظُومَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
فِي "قَاعِدَةِ التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِ"، تَضَعُ السُّورَةُ مَنْهَجَ "الدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْكِيمْيَاءِ النَّفْسِيَّةِ"؛ فَالْإِحْسَانُ يُحَوَّلُ الْعَدَاوَةَ إِلَى وَلَايَةٍ وَحَمِيمِيَّةٍ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْتِصَارِ الْأَخْلَاقِيِّ" الَّذِي يَفُوقُ قُوَّةَ السَّطْوَةِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِالْقَاعِدَةِ الذَّهَبِيَّةِ لِلْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ وَالْإِيمَانِيِّ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّصْدِيقِ الْمُسْتَمِرِّ"؛ فَالْعِلْمُ (الْآفَاقُ) وَعِلْمُ النَّفْسِ وَالْأَحْيَاءِ (الْأَنْفُسُ) سَيَظَلَّانِ يُقَدِّمَانِ أَدِلَّةً "تَبَيُّنِيَّةً" تَنْطِقُ بِصِدْقِ هَذَا الْوَحْيِ عَبْرَ الزَّمَنِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ فُصِّلَتْ هِيَ سُورَةُ "بُرْهَانِ التَّبَيُّنِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُطَالِبُ بِالْإِيمَانِ الْأَعْمَى، بَلْ بِالْإِيمَانِ الْمَبْنِيِّ عَلَى رُؤْيَةِ الْآيَاتِ الْمُفَصَّلَةِ فِي بِنَاءِ الْكَوْنِ وَتَكْوِينِ الذَّاتِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|