نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الشُّورَى، وَهِيَ سُورَةُ "الْمَرْجِعِيَّةِ الشَّامِلَةِ" وَ"إِدَارَةِ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ فُصِّلَتْ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبُرْهَانِ الْآفَاقِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، فَإِنَّ سُورَةَ الشُّورَى تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْوَحْيِ وَالِاتِّصَالِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُنَظِّمُ "الْمُطْلَقُ" حَيَاةَ "النِّسْبِيِّ" عَبْرَ التَّشَاوُرِ وَالْعَدْلِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِرَبْطِ الْوَحْيِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ: {كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِمْرَارِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ لَيْسَتْ طَارِئَةً، بَلْ هِيَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ يَتَّصِلُ عَبْرَ سِلْسِلَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَتَصِفُ السُّورَةُ عَظَمَةَ السَّمَاوَاتِ الَّتِي تَتَفَطَّرُ مِنْ فَوْقِهِنَّ إِجْلَالًا، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ مَنْطِقَ "الْعُلُوِّ" لَا يَلِيقُ إِلَّا لِلَّهِ.
فِي "تَحْلِيلِ الِاخْتِلَافِ الْبَشَرِيِّ"، تَضَعُ السُّورَةُ قَاعِدَةً فَصْلًا: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْمَرْجِعِيَّةِ الْعُلْيَا"؛ فَالْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ قَدْ تَتَبَايَنُ فِي تَقْدِيرِ الْمَصَالِحِ، لِذَا كَانَ لَا بُدَّ مَنْطِقِيًّا مِنْ "مِعْيَارٍ ثَابِتٍ" يَحْسِمُ النِّزَاعَ، وَهُوَ مِيزَانُ الْوَحْيِ. وَتُقَرِّرُ السُّورَةُ أَنَّ الدِّينَ وَاحِدٌ فِي جَوْهَرِهِ: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ التَّفَرُّدِ الْإِلَهِيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ الْقَاعِدَةَ الْمَعْرِفِيَّةَ الْأَهَمَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "تَنْزِيهِ الْمُطْلَقِ عَنِ التَّجْسِيدِ"؛ فَالْإِلَهُ لَيْسَ مَادَّةً تُقَاسُ بِمَقَايِيسِ الْخَلْقِ، بَلْ هُوَ "الْمُبَايِنُ" لَهُمْ فِي الذَّاتِ، وَ"الْمُحِيطُ" بِهِمْ بِالْعِلْمِ.
فِي "التَّنْظِيمِ الِاجْتِمَاعِيِّ"، تُسَمَّى السُّورَةُ بِـ "الشُّورَى" لِتَكُونَ صِفَةً لِلْمُجْتَمَعِ الرَّاشِدِ: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الشُّورَى" وَ"الْعَدْلِ"؛ فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ تَشْرِيعًا، فَإِنَّ الْإِدَارَةَ لِلْبَشَرِ تَشَاوُرًا. وَتَضَعُ السُّورَةُ مَنْهَجَ "الْعَدْلِ التَّقَابُلِيِّ": {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}، مَعَ فَتْحِ بَابِ الْعَفْوِ كَمَنْطِقٍ أَرْقَى لِلْإِصْلَاحِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "طُرُقِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ": {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْبُرُوتُوكُولِ الرِّسَالِيِّ"؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ كَيْفَ يَتَنَزَّلُ الْمَعْنَى الْمُطْلَقُ إِلَى الْقَالَبِ الْبَشَرِيِّ الْمَحْدُودِ، وَتَصِفُ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ "رُوحٌ" وَ"نُورٌ" يَهْدِي لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ مَصِيرَ الْأُمُورِ كُلِّهَا لِلَّهِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "النِّهَايَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ"؛ فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الْكَوْنِ، مَهْمَا تَعَدَّدَتْ مَسَارَاتُهَا، تَعُودُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى "الْمَرْكَزِ" الَّذِي بَدَأَتْ مِنْهُ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الشُّورَى هِيَ سُورَةُ "الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْحَقِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِـ "وَحْيٍ" يُوَجِّهُهَا وَ"شُورَى" تُدَبِّرُ أَمْرَهَا، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ يُدَارُ بِالْعَدْلِ لَا بِالْبَغْيِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِمَا يَفْعَلُ عِبَادُهُ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|