نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وَهِيَ سُورَةُ "نَقْدِ الْمَادِيَّةِ" وَ"تَفْكِيكِ زَيْفِ الْمَظَاهِرِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الشُّورَى قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْمَرْجِعِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِ، فَإِنَّ سُورَةَ الزُّخْرُفِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنِ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْخَدِعُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ بِـ "الْغِلَافِ" وَيَنْسَى "الْجَوْهَرَ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِوَصْفِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ فِي "أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْعُلُوِّ الرُّتْبِيِّ"؛ فَالْمَعْرِفَةُ الْإِلَهِيَّةُ لَهَا سُلْطَانٌ ذَاتِيٌّ يَعْلُو عَلَى كُلِّ جَدَلٍ بَشَرِيٍّ. وَتَنْقِدُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الِاسْتِهْزَاءِ" بِالرُّسُلِ بِأَنَّهُ مَسْلَكٌ تَارِيخِيٌّ لِلْأُمَمِ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ رَغْمَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ بَطْشًا.
فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِبَاكِ الْمَعْرِفِيِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ تَنَاقُضَ الْمُشْرِكِينَ: فَهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ، لَكِنَّهُمْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَجْعَلُونَ لَهُ جُزْءًا مِن عِبَادِهِ أَوْ يَنْسِبُونَ لَهُ الْبَنَاتِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْفِصَامِ الْعَقْلِيِّ"؛ حَيْثُ تَتَصَادَمُ الْمُقَدِّمَاتُ (الِاعْتِرَافُ بِالْخَالِقِ) مَعَ النَّتَائِجِ (صَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ).
أَمَّا فِي "نَقْدِ مِعْيَارِ الِاسْتِحْقَاقِ الْمَادِّيِّ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالاً جَوْهَرِيًّا لِلْمُعْتَرِضِينَ: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}؟ الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "وَهْمِ الْعَظَمَةِ بِالْمَالِ"؛ فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْوَحْيَ يَجِبُ أَنْ يَتْبَعَ "الثَّرْوَةَ". تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "التَّفَاوُتِ الْوَظِيفِيِّ": {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ... لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الرِّزْقَ تَوْزِيعٌ لِتَسْيِيرِ الْحَيَاةِ، أَمَّا "رَحْمَةُ رَبِّكَ" فَهِيَ مَقَامٌ أَرْفَعُ لَا يُشْتَرَى بِالْمَالِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْطِيمِ صَنَمِ "الزُّخْرُفِ": {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ}. هَذَا مَنْطِقٌ "نِسْبِيَّةِ الْمَادَّةِ"؛ فَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لَيْسَا دَلِيلاً عَلَى رِضَا اللَّهِ، بَلْ هُمَا "مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، وَالْآخِرَةُ هِيَ "الْقِيمَةُ الْمُطْلَقَةُ" لِلْمُتَّقِينَ.
فِي "الْمُوَاجَهَةِ التَّارِيخِيَّةِ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ قِصَّةَ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَخَفَّ بِقَوْمِهِ بِمَنْطِقِ: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ... أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ}؟ هُنَا يَتَجَلَّى مَنْطِقُ "السَّطْحِيَّةِ الطَّاغِيَةِ" الَّتِي تَقِيسُ الرِّسَالَةَ بِـ "أَسْوِرَةِ الذَّهَبِ"، لِتَكُونَ النَّجَاةُ لِمَنِ اتَّبَعَ الْبُرْهَانَ لَا لِمَنِ امْتَلَكَ الْخَزَائِنَ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ الْعِلَاقَاتِ الْبَشَرِيَّةَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى غَيْرِ التَّقْوَى سَتَنْقَلِبُ: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِارْتِبَاطِ الصَّحِيحِ"؛ فَكُلُّ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ تَنْتَهِي بَعَدَاوَةٍ، إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ فَإِنَّهُ يَتَّصِلُ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الزُّخْرُفِ هِيَ سُورَةُ "تَصْحِيحِ الْمَوَازِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ أَلَّا يَغْتَرَّ بِـ "الزُّخْرُفِ" الزَّائِلِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ "الْحِكْمَةَ" خَلْفَ "الْمَادَّةِ"، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الصَّفْحَ وَقَوْلَ "سَلَامٌ" هُوَ مَنْطِقُ الْأَقْوِيَاءِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الْمَصِيرِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|