نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الدُّخَانِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَسْمِ" وَ"الِارْتِقَابِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الزُّخْرُفِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ نَقْدِ الْمَادَّةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الدُّخَانِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "النِّهَايَاتِ الْقَاطِعَةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَبَدَّدُ دُخَانُ الشَّكِّ أَمَامَ يَقِينِ الْعَذَابِ أَوْ بَرْدِ النَّعِيمِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِرَبْطِ الْقُرْآنِ بـ "اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ" (لَيْلَةِ الْقَدْرِ): {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْإِحْكَامِ التَّوْقِيتِيِّ"؛ فَالْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ يُفْرَقُ فِيهِ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، مِمَّا يَعْنِي مَنْطِقِيًّا أَنَّ الْكَوْنَ لَا يُدَارُ بـ "الْعَشْوَائِيَّةِ"، بَلْ بـ "تَقْدِيرٍ مَعْلُومٍ" يَسْبِقُ الْأَحْدَاثَ.
فِي "تَحْلِيلِ الِارْتِيَابِ الذِّهْنِيِّ"، تُشَخِّصُ السُّورَةُ عِلَّةَ الْمُكَذِّبِينَ: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعَبَثِيَّةِ"؛ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْفِكْرُ إِلَى لَعِبٍ لِلْهُرُوبِ مِنْ جِدِّيَّةِ التَّكْلِيفِ. تَرُدُّ السُّورَةُ بـ "آيَةِ الدُّخَانِ" الَّذِي يَغْشَى النَّاسَ، لِيَتَحَوَّلَ مَنْطِقُ "اللَّعِبِ" إِلَى مَنْطِقِ "الِاضْطِرَارِ": {رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}. لَكِنَّ السُّورَةَ تَنْقُدُ هَذَا الْإِيمَانَ بـ "مَنْطِقِ الِاعْتِبَارِ": كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا؟
أَمَّا فِي "نَقْدِ الْغُرُورِ السُّلْطَوِيِّ"، فَتُعِيدُ السُّورَةُ عَرْضَ نِهَايَةِ فِرْعَوْنَ بِمَنْظُورِ "الْمِيرَاثِ الْكَوْنِيِّ": {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الِاسْتِبْدَالِ"؛ فَالْأَرْضُ لَا تَبْكِي عَلَى مَنْ طَغَى (مَنْطِقُ عَدَمِ الْقِيمَةِ)، بَلْ تَنْتَقِلُ النِّعَمُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْبَقَاءَ لِلْأَتْقَى" لَا لِلْأَقْوَى مَادِّيًّا.
فِي "الْبُرْهَانِ الْغَائِيِّ"، تَنْفِي السُّورَةُ الْعَبَثَ عَنِ الْخَلْقِ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْغَايَةِ الْكُبْرَى"؛ فَالْوُجُودُ الَّذِي يَنْطِقُ بِالْإِتْقَانِ لَا يُمْكِنُ مَنْطِقِيًّا أَنْ يَكُونَ مَسْرَحًا لِلَّهْوِ، بَلْ هُوَ مَيْدَانٌ لِلْحَقِّ وَالِاخْتِبَارِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَآلِ الطَّعَامِ وَالْمَشْرَبِ" فِي الْآخِرَةِ، فَتُقَابِلُ بَيْنَ "شَجَرَةِ الزَّقُّومِ" لِلْأَثِيمِ، وَبَيْنَ "الْمَقَامِ الْأَمِينِ" لِلْمُتَّقِينَ. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا هُوَ "الْحَتْمِيَّةُ الْجَزَائِيَّةُ"؛ حَيْثُ يُقَالُ لِلطَّاغِيَةِ تَهَكُّمًا بِمَنْطِقِهِ الدُّنْيَوِيِّ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِـ "الِارْتِقَابِ": {فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "ثِقَةِ الْمُنْتَظِرِ"؛ فَالْحَقِيقَةُ قَادِمَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَالزَّمَنُ جُزْءٌ مِنَ الْعِلَاجِ لِكَشْفِ زَيْفِ الْبَاطِلِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الدُّخَانِ هِيَ سُورَةُ "الْيَقَظَةِ بَعْدَ الْغَفْلَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ لَعِبًا، وَأَنَّ الشَّكَّ دُخَانٌ يَعْمِي الْبَصِيرَةَ، لَكِنَّ بَطْشَةَ اللَّهِ الْكُبْرَى كَفِيلَةٌ بِإِزَالَةِ كُلِّ حِجَابٍ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|