نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْجَاثِيَةِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْخُضُوعِ الْمَعْرِفِيِّ" وَ"الْبُرْهَانِ الْمُحِيطِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الدُّخَانِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الِارْتِقَابِ لِلنِّهَايَاتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْجَاثِيَةِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْإِلْزَامِ بِالْآيَاتِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَجْثُو الْأُمَمُ أَمَامَ "كِتَابِ الْحَقِيقَةِ" بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَسْتَكْبِرُ عَنْ سَمَاعِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِسَرْدِ "نِظَامِ الْآيَاتِ" فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَبَثِّ الدَّوَابِّ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّمَطِ"؛ فَالتَّكْرَارُ الْمُنَظَّمُ لِلظَّوَاهِرِ الْكَوْنِيَّةِ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ "آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ". وَتَطْرَحُ السُّورَةُ سُؤَالًا مَنْطِقِيًّا حَاسِمًا: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ؟}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "انْقِطَاعِ الْحُجَّةِ"؛ فَمَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ هَذَا النِّظَامُ الْكَوْنِيُّ، فَلَا يُوجَدُ مَنْطِقٌ آخَرُ يُمْكِنُ أَنْ يَهْدِيَهُ.
فِي "تَحْلِيلِ النَّفْسِ الْمُسْتَكْبِرَةِ"، تُشَخِّصُ السُّورَةُ مَرَضَ "الْأَفَّاكِ الْأَثِيمِ": {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}. الْمَنْطِقُ هُنَا يُمَيِّزُ بَيْنَ "الْجَهْلِ" وَ "الْجُحُودِ"؛ فَالْمُسْتَكْبِرُ يَعْرِفُ الْحَقَّ، لَكِنَّهُ يَتَّخِذُ "الْإِصْرَارَ" مَنْهَجًا لِلْحِفَاظِ عَلَى كِبْرِيَائِهِ الزَّائِفِ. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ الْبُعْدَ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ مُشْكِلَةً عَقْلِيَّةً بَقَدْرِ مَا هِيَ مُشْكِلَةٌ أَدَبِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ.
أَمَّا فِي "نَقْدِ مَنْطِقِ الدَّهْرِيَّةِ"، فَتَعْرِضُ السُّورَةُ قَوْلَهُمْ: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}. تَنْفِي السُّورَةُ هَذَا التَّصَوُّرَ بِقَوْلِهَا: {وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الظَّنِّ فِي مُقَابِلِ الْيَقِينِ"؛ فَالنَّظْرَةُ الْمَادِّيَّةُ الْبَحْتَةُ لِلزَّمَنِ (الدَّهْرِ) كَمُحَرِّكٍ لِلْوُجُودِ هِيَ فَرْضِيَّةٌ بِلَا دَلِيلٍ، تَتَجَاهَلُ الْخَالِقَ الَّذِي يُسَيِّرُ هَذَا الزَّمَنَ.
فِي "تَحْلِيلِ مَفْهُومِ الشَّرِيعَةِ"، تُؤَكِّدُ السُّورَةُ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَبَعِيَّةِ الْهَوَى لِلْعِلْمِ"؛ فَالشَّرِيعَةُ هِيَ مَنْظُومَةٌ عِلْمِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ، بَيْنَمَا مُخَالَفَتُهَا هِيَ "هَوًى" لَا يَسْتَنِدُ إِلَى حَقِيقَةٍ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِمَشْهَدِ "الْجُثِيِّ الْعَالَمِيِّ": {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا}. هُنَا يَتَحَوَّلُ مَنْطِقُ "الِاسْتِكْبَارِ" إِلَى مَنْطِقِ "الِانْكِسَارِ"؛ حَيْثُ يُواجِهُ الْإِنْسَانُ "التَّوْثِيقَ النِّهَائِيَّ" لِأَعْمَالِهِ: {هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ "الْكِبْرِيَاءَ" صِفَةٌ حَصْرِيَّةٌ لِلَّهِ: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَصْحِيحِ الْمَقَامَاتِ"؛ فَالْمَخْلُوقُ الَّذِي جَثَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ الْكِبْرِيَاءَ، لِأَنَّ الْعِزَّةَ وَالْحِكْمَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْجَاثِيَةِ هِيَ سُورَةُ "مَنْطِقِ الْيَقِينِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْكَوْنَ مَمْلُوءٌ بِالْأَدِلَّةِ، وَأَنَّ جُثِيَّ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ هُوَ النَّتِيجَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ لِكُلِّ مَسِيرَةِ الْخَلْقِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|