نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْأَحْقَافِ، وَهِيَ خَاتِمَةُ "الْحَوَامِيمِ" وَسُورَةُ "الْأَصَالَةِ وَالْبَلَاغِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْجَاثِيَةِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْخُضُوعِ لِلْآيَاتِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْأَحْقَافِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ "الْقِدَمِ وَالِارْتِبَاطِ بِالْجُذُورِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَصَادَمُ "الْوَحْيُ الثَّابِتُ" مَعَ "الْأَهْوَاءِ الطَّارِئَةِ".
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِثْبَاتِ "خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى". هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الْقَانُونِ الزَّمَنِيِّ"؛ فَالْوُجُودُ لَيْسَ أَبَدِيًّا بِمَادَّتِهِ، بَلْ هُوَ "مَحْدُودٌ بِزَمَنٍ" انْتِهَاؤُهُ هُوَ مَوْعِدُ الْحِسَابِ. وَتَتَحَدَّى السُّورَةُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْطِقِ "الْعِلْمِ التَّرَاكُمِيِّ": {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّوْثِيقِ الْمَعْرِفِيِّ"؛ فَالْمُدَّعِي يَجِبُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى نَصٍّ سَابِقٍ أَوْ بَقَايَا عِلْمٍ حَقِيقِيٍّ، وَإِلَّا فَمَوْقِفُهُ سَاقِطٌ مَنْطِقِيًّا.
فِي "تَحْلِيلِ الْأَجْيَالِ وَالْبِرِّ"، تَعْرِضُ السُّورَةُ مَشْهَدَيْنِ لِلْأَبْنَاءِ:
الِابْنُ الْبَارُّ: الَّذِي بَلَغَ "أَشُدَّهُ" وَبَلَغَ "أَرْبَعِينَ سَنَةً" فَقَالَ: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ}. هُنَا مَنْطِقُ "النُّضْجِ التَّكَامُلِيِّ"؛ حَيْثُ يَرْتَبِطُ الْعَقْلُ بِالشُّكْرِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ تِجَاهَ الْأُصُولِ (الْوَالِدَيْنِ).
الِابْنُ الْعَاقُّ: الَّذِي يَقُولُ لِوَالِدَيْهِ: {أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ}؟ هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْقِطَاعِ عَنِ الْجُذُورِ"؛ حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ بِمَنْطِقِهِ الْمَادِّيِّ الضَّيِّقِ.
أَمَّا فِي "الِاعْتِبَارِ التَّارِيخِيِّ"، فَتَذْكُرُ قِصَّةَ "عَادٍ" فِي "الْأَحْقَافِ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْفَهْمِ الْمَغْلُوطِ لِلْقُوَّةِ"؛ حَيْثُ رَأَوْا "الْعَارِضَ" (السَّحَابَ) فَقَالُوا: {هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}. لَكِنَّ الرَّدَّ الْمَنْطِقِيَّ بَيَّنَ أَنَّهُ "رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ". هَذَا يَعْنِي أَنَّ "الظَّاهِرَ" قَدْ يَكُونُ خَادِعًا حِينَ يَنْفَصِلُ الْإِنْسَانُ عَنِ التَّحْذِيرِ النَّبَوِيِّ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَعْرِضَ مَشْهَدَ "صَرْفِ نَفَرٍ مِّنَ الْجِنِّ" لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "عَالَمِيَّةِ الْخِطَابِ"؛ فَالْقُرْآنُ لَيْسَ لِلْبَشَرِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ "كِتَابٌ أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ". الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ مَنْطِقَ "التَّصْدِيقِ" يَقُومُ عَلَى "التَّنَاسُقِ مَعَ الْحَقِيقَةِ الْقَدِيمَةِ" لَا عَلَى الِابْتِدَاعِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِـ "الصَّبْرِ" كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْتِظَارِ الْإِيجَابِيِّ"؛ فَالْبَلَاغُ قَدْ تَمَّ، وَالْعَجَلَةُ لَا تُغَيِّرُ سُنَنَ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}؟
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْأَحْقَافِ هِيَ سُورَةُ "بَلَاغِ الْحَقِيقَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الدِّينَ قَدِيمٌ بِقِدَمِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الْبَارَّ هُوَ الَّذِي يَحْتَرِمُ "الْمِيثَاقَ" مَعَ اللَّهِ وَالْوَالِدَيْنِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الدُّنْيَا "سَاعَةٌ مِّن نَّهَارٍ" لَا تَسْتَحِقُّ الْمُجَازَفَةَ بِالْأَبَدِ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|