نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهِيَ سُورَةُ "الْحَسْمِ" وَ"التَّمْيِيزِ الْعَمَلِيِّ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْقَافِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْبَلَاغِ وَالْأَصَالَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ مُحَمَّدٍ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِحْبَاطِ الْعَمَلِ أَوْ إِصْلَاحِهِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْمَوَاقِفُ مَنْطِقِيًّا إِلَى نَتَائِجَ وُجُودِيَّةٍ حَاسِمَةٍ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِمُعَادَلَةٍ ثُنَائِيَّةٍ قَاطِعَةٍ:
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا: النَّتِيجَةُ مَنْطِقِيًّا هِيَ {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}؛ أَيْ جَعَلَهَا "صِفْرِيَّةَ الْجَدْوَى" وَفَاقِدَةً لِلْمَعْنَى.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: النَّتِيجَةُ مَنْطِقِيًّا هِيَ {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِقْرَارِ الذِّهْنِيِّ" (إِصْلَاحِ الْبَالِ) كَأَثَرٍ مُبَاشِرٍ لِلِاتِّبَاعِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمُوَاجَهَةِ"، تَنْقُلُ السُّورَةُ الدِّينَ مِنَ الْحَيِّزِ النَّظَرِيِّ إِلَى الْحَيِّزِ "الْمَيْدَانِيِّ": {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِرَادَاتِ"؛ فَإِذَا وَصَلَ الصِّرَاعُ إِلَى طَرِيقٍ مَسْدُودٍ، فَإِنَّ "الْبَلَاءَ" هُوَ مِعْيَارُ الِاخْتِبَارِ: {وَلِيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ}. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ التَّدَافُعَ ضَرُورَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِتَمْيِيزِ الصَّادِقِ مِنَ الْمُدَّعِي.
أَمَّا فِي "نَقْدِ الْعَقْلِ الْمُنَافِقِ"، فَتُشَرِّحُ السُّورَةُ سُلُوكَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ حِينَ تَنْزِلُ "سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ". الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الْخَوْفِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ" وَ "تَعْطِيلِ الْفَهْمِ": {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}. هَذَا يَعْنِي مَنْطِقِيًّا أَنَّ "الْقُفْلَ" لَيْسَ عَلَى النَّصِّ، بَلْ عَلَى "أَدَاةِ الِاسْتِقْبَالِ" (الْقَلْبِ) بِسَبَبِ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَفْهُومِ الِارْتِدَادِ" وَاتِّبَاعِ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَحْبِيطِ الْقِيمَةِ": {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الِانْكِشَافِ التَّامِّ"؛ حَيْثُ تَسْقُطُ كُلُّ الِادِّعَاءَاتِ أَمَامَ "الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ".
فِي "نِهَايَةِ السُّورَةِ"، تَطْرَحُ السُّورَةُ قَاعِدَةَ "الِاسْتِبْدَالِ الْقَدَرِيِّ": {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْوُجُودِ الْهَادِفِ"؛ فَاللَّهُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ لِلْبَشَرِ، بَلِ الْبَشَرُ هُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَى "شَرَفِ الْمُهِمَّةِ". فَإِذَا عَجَزَ جِيلٌ عَنِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ، نَحَّاهُ الْمَنْطِقُ الْإِلَهِيُّ لِيَأْتِيَ بِمَنْ هُوَ أَجْدَرُ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ سُورَةُ "صِدْقِ الْفِعْلِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْأَعْمَالَ تُوزَنُ بِقَصْدِهَا وَارْتِبَاطِهَا بِالْوَحْيِ، وَأَنَّ مَنْ اتَّبَعَ "رِضْوَانَ اللَّهِ" أَصْلَحَ بَالَهُ فِي الدُّنْيَا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ الْبُخْلَ هُوَ بخلٌ عَنِ النَّفْسِ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|