عرض مشاركة واحدة
  #56  
قديم 2026-03-08, 10:44 AM
أحمد جميل مسعد أحمد جميل مسعد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 2012-08-18
المكان: عمّان
المشاركات: 341
افتراضي

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْفَتْحِ، وَهِيَ سُورَةُ "السَّكِينَةِ" وَ"الرُّؤْيَةِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْحَسْمِ وَالْمُوَاجَهَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْفَتْحِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "النَّصْرِ بِالسَّلَامِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ مَا ظَاهِرُهُ "تَنَازُلٌ" إِلَى "فَتْحٍ مُبِينٍ" بِمَقَايِيسِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ.

مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِإِعْلَانِ الْفَتْحِ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَغْيِيرِ تَعْرِيفِ النَّجَاحِ"؛ فَالْفَتْحُ هُنَا كَانَ "صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ" الَّذِي رَآهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ضَيْمًا، لَكِنَّ الْمَنْطِقَ الْإِلَهِيَّ رَآهُ بَوَّابَةً لِانْتِشَارِ الدَّعْوَةِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} وَ {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}.

فِي "تَحْلِيلِ الْعَامِلِ النَّفْسِيِّ"، تُقَدِّمُ السُّورَةُ مَفْهُومَ "السَّكِينَةِ": {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَرْبِطُ بَيْنَ "الثَّبَاتِ الِانْفِعَالِيِّ" وَ "الْقُوَّةِ الْقِتَالِيَّةِ"؛ فَالْجُنُودُ لَيْسُوا فَقَطْ مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ، بَلْ هُمْ أَيْضًا "جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" الَّتِي يُسَخِّرُهَا اللَّهُ لِمَنْ صَدَقَ.

أَمَّا فِي "نَقْدِ مَنْطِقِ الِاعْتِذَارِ الزَّائِفِ"، فَتَفْضَحُ السُّورَةُ "الْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ" الَّذِينَ قَالُوا: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ النَّفْعِيَّةِ الضَّيِّقَةِ" عَلَى الْمَبْدَأِ. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ حَقِيقَةَ تَخَلُّفِهِمْ لَمْ تَكُنْ "شُغْلًا"، بَلْ كَانَتْ "سُوءَ ظَنٍّ": {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا}. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْهَزِيمَةَ تَبْدَأُ مِنْ "الْعَقْلِ" قَبْلَ "الْمَيْدَانِ".

فِي "بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ"، تُؤَسِّسُ السُّورَةُ لِمَنْطِقِ "الْوَلَاءِ الْمُطْلَقِ": {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}. هُنَا يَتَّحِدُ "التَّمْثِيلُ الْبَشَرِيُّ" مَعَ "الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ"، لِيَكُونَ "الرِّضَا" هُوَ الثَّمَنُ الْوُجُودِيُّ لِهَذَا الثَّبَاتِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "الرُّؤْيَا النَّبَوِيَّةِ" وَحَتْمِيَّةِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْيَقِينِ فِي الْوَعْدِ" رَغْمَ الْمَوَانِعِ الْمَادِّيَّةِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.

تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِوَصْفِ "مُحَمَّدٍ وَالَّذِينَ مَعَهُ" بِصِفَاتٍ تَبْدَأُ مِنَ {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، وَتَنْتَهِي بِمَثَلِ "الزَّرْعِ" الَّذِي أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "النُّمُوِّ الْعُضْوِيِّ لِلْفِكْرَةِ"؛ تَبْدَأُ ضَعِيفَةً، ثُمَّ تَتَقَوَّى بِالتَّرَابُطِ، حَتَّى تُعْجِبَ الزُّرَّاعَ وَتَغِيظَ الْكُفَّارَ.

بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْفَتْحِ هِيَ سُورَةُ "الِانْتِصَارِ بِالْحِكْمَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي "الصِّدَامِ"، بَلْ فِي "الْعُهُودِ" الَّتِي تَمْنَحُ الْفِكْرَةَ وَقْتًا لِتَنْمُوَ، وَأَنَّ السَّكِينَةَ هِيَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ الْأَمْضَى فِي سَاعَاتِ الِارْتِبَاكِ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ الصَّالِحِينَ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
رد مع اقتباس