نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْحُجُرَاتِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْبِنَاءِ الْأَخْلَاقِيِّ" وَ"دُسْتُورِ الْقِيَمِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ النَّصْرِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ وَالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ تَنْتَقِلُ لِتَحْلِيلِ مَنْطِقِ التَّمَاسُكِ الدَّاخِلِيِّ، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يُصَانُ هَذَا "الْفَتْحُ" بِمَنْظُومَةٍ مِنَ الْآدَابِ الَّتِي تَحْمِي الْمُجْتَمَعَ مِنَ التَّفَكُّكِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِتَنْظِيمِ "الْعَلَاقَةِ مَعَ الْقِيَادَةِ": {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وَ {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِانْضِبَاطِ الْمَرْجِعِيِّ"؛ فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي لَا يَحْتَرِمُ مَصْدَرَ تَوْجِيهِهِ يَغْرَقُ فِي الْفَوْضَى. وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ أَنَّ "الْأَدَبَ" لَيْسَ مُجَرَّدَ لِيَاقَةٍ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ تَدَاوُلِ الْمَعْلُومَاتِ"، تَضَعُ السُّورَةُ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ لِلْأَمْنِ الِاجْتِمَاعِيِّ: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "التَّثَبُّتِ النَّقْدِيِّ"؛ حَيْثُ تَمْنَعُ السُّورَةُ انْسِيَاقَ الْعَقْلِ خَلْفَ "الْإِشَاعَةِ" الَّتِي قَدْ تُؤَدِّي إِلَى كَارِثَةٍ (نَدَامَةٍ) بِسَبَبِ الْجَهَالَةِ. الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ "الْعِلْمَ بِالْحَقِيقَةِ" هُوَ حِصْنُ الْعَدَالَةِ.
أَمَّا فِي "إِدَارَةِ النِّزَاعَاتِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْإِصْلَاحِ الْحَازِمِ": {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "الْقُوَّةِ فِي خِدْمَةِ الْحَقِّ"؛ فَالصُّلْحُ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ هَدَفٌ، فَإِذَا رَفَضَ الْبَاغِي، وَجَبَ رَدْعُهُ لِيَعُودَ إِلَى "أَمْرِ اللَّهِ" (الْعَدْلِ).
فِي "جِرَاحَةِ النَّفْسِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ"، تُحَرِّمُ السُّورَةُ سِتَّةَ سُلُوكِيَّاتٍ تُمَزِّقُ النَّسِيجَ الْبَشَرِيَّ: (السُّخْرِيَّةَ، اللَّمْزَ، التَّنَابُزَ، الظَّنَّ، التَّجَسُّسَ، الْغِيبَةَ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "صِيَانَةِ الْكَرَامَةِ الْغَيْبِيَّةِ"؛ فَكَمَا تُصَانُ الدِّمَاءُ، تُصَانُ الْأَعْرَاضُ. وَتَصِفُ السُّورَةُ "الْغِيبَةَ" بِأَبْشَعِ صُورَةٍ (أَكْلِ لَحْمِ الْأَخِ مَيْتًا) لِتَنْفِيرِ الْعَقْلِ مِنْ تَنَاوُلِ مَا لَا يَمْلِكُ.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَنْطِقِ الْهُوِيَّةِ الْعَالَمِيَّةِ": {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "التَّنَوُّعِ لِلتَّكَامُلِ" لَا لِلِتَّفَاخُرِ. وَتُحَطِّمُ السُّورَةُ كُلَّ مَعَايِيرِ التَّفَاضُلِ الْمَادِّيَّةِ لِتَبْنِيَ مِعْيَارًا وَاحِدًا: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ "الْإِسْلَامِ" (الِانْقِيَادِ الظَّاهِرِيِّ) وَ"الْإِيمَانِ" (التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ). هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْعُمْقِ لَا السَّطْحِ"؛ فَالْإِيمَانُ لَيْسَ كَلِمَةً، بَلْ هُوَ "يَقِينٌ" لَا يَرْتَابُ، وَ"جِهَادٌ" بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الْحُجُرَاتِ هِيَ سُورَةُ "أَدَبِ الْجَمَاعَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْقَوِيَّ لَيْسَ مَنْ يَمْلِكُ السِّلَاحَ فَقَطْ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ "الْأَخْلَاقَ" الَّتِي تَمْنَعُ الظُّلْمَ الدَّاخِلِيَّ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ شَاءَ بِالْهِدَايَةِ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|