نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ ق، وَهِيَ سُورَةُ "الْيَقَظَةِ الْكُبْرَى" وَ"مَنْطِقِ الْحَقِيقَةِ الْعَارِيَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْأَدَبِ مَعَ الْخَلْقِ، فَإِنَّ سُورَةَ ق تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "الْأَدَبِ مَعَ الْحَقِيقَةِ الْوُجُودِيَّةِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ يَنْكَشِفُ الْغِطَاءُ عَنِ الْبَصَرِ لِيُدْرِكَ مَا كَانَ عَنْهُ غَافِلًا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِـ "الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" وَتَعْرِضُ اسْتِغْرَابَ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ مَنْطِقِ "الْبَعْثِ": {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}. هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "الِاسْتِبْعَادِ الْحِسِّيِّ"؛ فَهُمْ يَقِيسُونَ قُدْرَةَ الْخَالِقِ بِمَا تَرَاهُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ التَّحَلُّلِ. تَرُدُّ السُّورَةُ بِمَنْطِقِ "الْإِحَاطَةِ الْعِلْمِيَّةِ": {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ}؛ فَالْمَادَّةُ لَا تَفْنَى عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، بَلْ هِيَ "مُوَثَّقَةٌ" فِي كِتَابٍ حَفِيظٍ.
فِي "الْبُرْهَانِ الْأَنْطُولُوجِيِّ" (بُرْهَانِ الْوُجُودِ)، تَدْعُو السُّورَةُ لِلنَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}. الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْإِتْقَانِ النَّظْمِيِّ"؛ فَالْبِنَاءُ بِلَا فُرُوجٍ (ثُغْرَاتٍ) وَالْأَرْضُ الْمَمْدُودَةُ وَالنَّخْلُ الْبَاسِقُ، كُلُّهَا أَدِلَّةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي "أَحْيَا" الْأَرْضَ بِمَاءِ السَّمَاءِ قَادِرٌ مَنْطِقِيًّا عَلَى "الْخُرُوجِ" (الْبَعْثِ).
أَمَّا فِي "تَحْلِيلِ الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ"، فَتَطْرَحُ السُّورَةُ أَدَقَّ مَشَاهِدِ الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِحَاطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ"؛ فَالتَّسْجِيلُ لَيْسَ لِلْأَفْعَالِ فَقَطْ، بَلْ لِـ "مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ". وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ نِظَامَ "التَّوْثِيقِ الثُّنَائِيِّ" (رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ) لِكُلِّ لَفْظٍ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ "الْمَسْؤُولِيَّةَ" قَائِمَةٌ عَلَى أَدَقِّ التَّفَاصِيلِ.
فِي مَشْهَدِ "سَكْرَةِ الْمَوْتِ"، تَقُولُ السُّورَةُ الْقَاعِدَةَ الصَّادِمَةَ: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَحَوُّلِ الْبَصِيرَةِ"؛ فَالْمَوْتُ لَيْسَ "عَدَمًا"، بَلْ هُوَ "إِبْصَارٌ حَادٌّ" لِلْحَقَائِقِ الَّتِي كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَجَاهَلُهَا فِي الدُّنْيَا. الِاسْتِنْتَاجُ هُوَ أَنَّ "الْغَيْبَ" حَقِيقَةٌ مَوْجُودَةٌ، لَكِنَّ أَدَوَاتِ الدُّنْيَا كَانَتْ أَعْجَزَ مِنْ إِدْرَاكِهَا.
تَنْتَقِلُ السُّورَةُ لِتَحْلِيلِ "مَنْطِقِ جَهَنَّمَ" الَّتِي تَقُولُ: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ}، وَمُقَابَلَتِهَا بِالْجَنَّةِ الَّتِي أُزْلِفَتْ لِلْمُتَّقِينَ. هُنَا نَرَى مَنْطِقَ "التَّجَانُسِ"؛ فَالْقَلْبُ "الْمُنِيبُ" الَّذِي خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ يَسْتَحِقُّ "سَلَامَ" الدُّخُولِ، بَيْنَمَا الْعَنِيدُ الْمَنَّاعُ لِلْخَيْرِ يَسْتَحِقُّ الْإِلْقَاءَ فِي الْعَذَابِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِقَاعِدَةِ "الِاسْتِمَاعِ الْوَاعِي": {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "شُرُوطِ الِانْتِفَاعِ"؛ فَالْمَعْلُومَةُ مَوْجُودَةٌ، لَكِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى "أَدَاةِ تَلَقٍّ" (قَلْبٍ) مُسْتَحْضِرَةٍ لِلشُّهُودِ.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ ق هِيَ سُورَةُ "صَدْمَةِ الْحَقِيقَةِ". تُخْبِرُنَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسَجَّلٌ، وَأَنَّ النِّهَايَةَ قَرِيبَةٌ جِدًّا، وَأَنَّ الْعَقْلَ الْحَصِيفَ هُوَ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ عَيْنَيْهِ "غِطَاءَ الْغَفْلَةِ" قَبْلَ أَنْ يَكْشِفَهُ الْمَوْتُ، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ التَّذْكِيرَ بِالْقُرْآنِ هُوَ لِمَنْ "يَخَافُ وَعِيدِ".
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|