نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى سُورَةِ الطُّورِ، وَهِيَ سُورَةُ "الْمُحَاجَجَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ". إِذَا كَانَتْ سُورَةُ الذَّارِيَاتِ قَدْ رَسَمَتْ مَنْطِقَ الْغَايَةِ وَالرِّزْقِ، فَإِنَّ سُورَةَ الطُّورِ تَنْقُلُنَا إِلَى مَنْطِقِ "إِلْزَامِ الْخَصْمِ بِالْبُرْهَانِ"، وَتَعْرِضُ كَيْفَ تَتَهَاوَى الشُّكُوكُ أَمَامَ سِلْسِلَةٍ مِنْ "الْأَسْئِلَةِ الْوُجُودِيَّةِ" الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْ جَوَابِهَا.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِيَّةِ، تَبْدَأُ السُّورَةُ بِقَسَمٍ خُمَاسِيٍّ (الطُّورِ، كِتَابٍ مَّسْطُورٍ، الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ). هُنَا نَجِدُ مَنْطِقَ "تَعَاضُدِ الشَّوَاهِدِ"؛ فَالْقَسَمُ بِالْجَبَلِ (مَكَانِ الْوَحْيِ) وَالْكِتَابِ وَالسَّمَاءِ وَالْبَحْرِ يُثْبِتُ أَنَّ عَذَابَ اللَّهِ "لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ". هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْحَتْمِيَّةِ النِّهَائِيَّةِ"؛ فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مَوْجُودَةٌ، فَإِنَّ الْحِسَابَ مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ.
فِي "تَحْلِيلِ مَنْطِقِ الْمُكَذِّبِينَ"، تَنْفِي السُّورَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ تُّهَمٍ (الْكَهَانَةَ، الْجُنُونَ، الشِّعْرَ). الْمَنْطِقُ التَّحْلِيلِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى "تَفْنِيدِ التَّنَاقُضِ"؛ فَهُمْ يَعْلَمُونَ رَجَاحَةَ عَقْلِهِ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ جُنُونَهُ؟ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ شِعْرًا، فَكَيْفَ يَنْتَظِرُونَ بِهِ "رَيْبَ الْمَنُونِ"؟
ثُمَّ تَطْرَحُ السُّورَةُ "أَعْظَمَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي التَّارِيخِ"، وَهِيَ أَسْئِلَةٌ تُحَاصِرُ الْعَقْلَ فِي زَاوِيَةِ الْحَقِيقَةِ:
أَصْلُ الْوُجُودِ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}؟ (مَنْطِقُ نَفْيِ الصُّدْفَةِ وَنَفْيِ خَلْقِ الذَّاتِ لِلذَّاتِ).
مَصْدَرُ الْكَوْنِ: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؟ (مَنْطِقُ نَفْيِ الْقُدْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَى الْإِبْدَاعِ الْكَوْنِيِّ).
مِلْكِيَّةُ الْخَزَائِنِ: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}؟ (مَنْطِقُ نَفْيِ التَّحَكُّمِ فِي الرِّزْقِ وَالْأَقْدَارِ).
الِاسْتِنْتَاجُ الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْبَشَرَ "لَا يُوقِنُونَ" لَيْسَ لِنَقْصِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِفَسَادِ الْإِرَادَةِ.
أَمَّا فِي "مَنْطِقِ الِاسْتِكْبَارِ"، فَتَصِفُ السُّورَةُ حَالَةً مَرَضِيَّةً مِنَ الْعِنَادِ: {وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الْإِنْكَارِ التَّأْوِيلِيِّ"؛ حَيْثُ يُفَسِّرُ الْمُعَانِدُ الْمُعْجِزَةَ الصَّارِخَةَ (سُقُوطَ السَّمَاءِ) بِتَفْسِيرٍ مَادِّيٍّ مُعْتَادٍ (سَحَابٍ) لِيَهْرَبَ مِنَ الِالْتِزَامِ بِالْإِيمَانِ.
فِي مَشَاهِدِ الْأَخِرَةِ، تَعْرِضُ السُّورَةُ "حَدِيثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ": {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ}. الْمَنْطِقُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "الْجَزَاءِ بِمِثْلِ الْخَوْفِ"؛ فَمَنْ خَافَ فِي الدُّنْيَا أَمِنَ فِي الْآخِرَةِ، وَتُبَيِّنُ السُّورَةُ مَنْطِقَ "الْإِلْحَاقِ الذُّرِّيِّ": {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. هَذَا كَرَمٌ يَتَجَاوَزُ مَنْطِقَ "الْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ" لِيُحَقِّقَ تَمَامَ السُّرُورِ.
تَخْتَتِمُ السُّورَةُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّسْبِيحِ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}. هَذَا هُوَ مَنْطِقُ "الرِّعَايَةِ الْخَاصَّةِ"؛ فَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ كُلُّ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَلَمْ يُؤْمِنْ، فَاتْرُكْهُ لِيَوْمِهِ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُ، وَانْشَغِلْ أَنْتَ بِمَنْطِقِ "الِاتِّصَالِ" بِاللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا.
بِخُلَاصَةٍ تَحْلِيلِيَّةٍ، سُورَةُ الطُّورِ هِيَ سُورَةُ "الْإِلْزَامِ الْعَقْلِيِّ". تُخْبِرُنَا أَنَّ كُلَّ حُجَّةٍ ضِدَّ التَّوْحِيدِ هِيَ حُجَّةٌ "مُتَهَافِتَةٌ" بِنَفْسِهَا، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِبَدِيهِيَّةِ الْخَلْقِ أَوْ يَبْقَى فِي حَيْرَةٍ لَا مَنْطِقَ لَهَا، مُؤَكِّدَةً فِي نِهَايَتِهَا أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
__________________
هناك إنسان .. صمت كلّ لحظات الحياة .. متفكّرا في صنع الله جلّ في علاه .. الّذي خلقه وعدله وفطره وسوّاه .. حتّى أنطقه الله سبحانه وتعالى آخر لحظة من حياته فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله !!
|